عصام سبادي
لا يبدو أن مشروع القانون رقم 16.20 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، كما صادق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية، قد أنهى الجدل بقدر ما أعاد إنتاجه بصيغة أكثر حدة.
فالمصادقة الرقمية—77 صوتًا مقابل 39—قد تمنح النص شرعية مؤسساتية، لكنها لا تخفي حجم التردد الذي يطبع فلسفته، ولا الأسئلة الثقيلة التي يطرحها حول موقع مهنة العدول داخل منظومة التوثيق والعدالة.
هنا، لا يتعلق الأمر فقط بنص قانوني، بل برؤية إصلاحية كان يفترض أن تحسم في اختيارات واضحة، لكنها اختارت، مرة أخرى، منطقة وسطى لا ترضي أحدا بالكامل.
المفارقة أن هذا المشروع جاء في سياق يُفترض فيه تحديث المهن القانونية لمواكبة تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، لكنه بدا وكأنه يستدعي منطق التحفظ بدل الجرأة.
فالإبقاء على مقتضيات مثل “اللفيف العدلي” بـ12 شاهدا، أو استمرار ربط رسمية الوثيقة بخطاب القاضي، يعكس نوعا من التردد في منح العدول استقلالية مهنية كاملة.
وهو تردد يُقرأ، في العمق، كصراع غير معلن بين المحافظة على الطابع التقليدي للمهنة، وبين الحاجة إلى إدماجها في دينامية قانونية أكثر مرونة ونجاعة.
الأصوات المعارضة داخل البرلمان لم تكن، في جوهرها، متباينة بقدر ما كانت متقاطعة حول فكرة مركزية: المشروع لم يذهب بعيدًا بما يكفي. من الفريق الاشتراكي إلى التقدم والاشتراكية، مرورًا بالحركي والعدالة والتنمية، يبرز خيط ناظم من الانتقادات يتمثل في غياب رؤية متكاملة تعيد تعريف دور العدل داخل سوق التوثيق.
فبدل توسيع الاختصاصات، هناك إحساس بتضييقها، وبدل تعزيز الثقة، هناك تخوف من تعقيد المساطر وتعدد مستويات الرقابة.
وفي هذا السياق، يطفو سؤال المساواة بين مهن التوثيق كأحد أبرز أعطاب النص. كيف يمكن الحديث عن إصلاح دون تسوية وضعية العدل مقارنة بباقي الفاعلين في المجال؟
إن الإبقاء على قيود تحد من تدخل العدول في المعاملات العقارية والتجارية، على سبيل المثال، لا يعكس فقط حذرا تشريعيا، بل قد يفهم كترجيح لكفة أطراف أخرى داخل سوق التوثيق، وهو ما يطرح إشكال التوازن والإنصاف داخل المنظومة.
ثم إن غياب دراسة أثر واضحة، وكثرة الإحالات على نصوص تنظيمية مؤجلة، يضعفان من القوة التفسيرية للقانون نفسه. فالتشريع، في نهاية المطاف، ليس مجرد إعلان نوايا، بل أداة لضبط الواقع وتوجيهه.
وعندما يترك جزء كبير من تفاصيله معلّقًا، فإن ذلك يفتح الباب أمام تأويلات متباينة، وقد يكرس حالة من الضبابية بدل أن ينهيها، وهو ما يتناقض مع الهدف المعلن لأي إصلاح، والمتمثل في تحقيق الأمن القانوني والتعاقدي.
في المحصلة، قد يكون هذا القانون خطوة إلى الأمام من حيث الشكل، لكنه يظل، من حيث المضمون، خطوة حذرة أكثر مما ينبغي. الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بما يتم تمريره داخل قبة البرلمان، بل بقدرته على إحداث تحول فعلي في الممارسة وفي ثقة الفاعلين.
وبين نص يسعى إلى التوفيق بين مرجعيات متباينة، وواقع يفرض إيقاعا أسرع، يبقى السؤال مفتوحا: هل نحن أمام إصلاح مؤجل، أم أمام فرصة أخرى ضاعت في منطقة التردد؟
