عبد الحليم السريدي
في البداية، يبدو الأمر عادياً… قطعة حلوى إضافية، مشروب غازي بارد، شاي محلى أكثر من اللازم، أو عادة يومية تتكرر دون كثير تفكير. لحظات صغيرة من المتعة يستهلكها كثيرون كما لو أنها تفاصيل بريئة في يوم مرهق. لكن داخل هذا الاعتياد المتراكم، قد يبدأ مسار مختلف تماماً… مسار لا يقود فقط إلى زيادة الوزن أو الإرهاق، بل أحياناً إلى واحد من أكثر الأمراض المزمنة انتشاراً وقسوة: السكري.
في المغرب، كما في كثير من المجتمعات التي تغيرت فيها العادات الغذائية بوتيرة سريعة، لم يعد السكري مرضاً مرتبطاً فقط بالتقدم في السن، بل أصبح يتسلل إلى أعمار أصغر، مدفوعاً بتبدل أنماط العيش، والإفراط في السكريات، وقلة الحركة، والتوتر، والسمنة. لم يعد الأمر مجرد “ارتفاع في نسبة السكر”، بل تحول لدى كثيرين إلى نمط حياة كامل تحكمه التحاليل، والحمية، والمراقبة المستمرة، والخوف من المضاعفات.
الخطورة في السكري أنه غالباً لا يقتحم الحياة بضجيج، بل يتسلل بهدوء. عطش متكرر، تعب غير مبرر، فقدان أو زيادة في الوزن، تشوش في الرؤية… أعراض قد تمر مرور الكرام، بينما يكون الجسد قد بدأ بالفعل في إرسال إنذاراته الأولى. وحين يتم تجاهلها، قد يتحول المرض من حالة قابلة للضبط إلى مسار معقد يطال القلب، الكلى، الأعصاب، العينين، وحتى القدرة على التئام الجروح.
الأكثر إرباكاً أن كثيرين لا يربطون بين ما يعيشونه يومياً وبين ما يصيبهم لاحقاً. فالنظام الغذائي القائم على الخبز الأبيض بكثرة، الحلويات، المشروبات المحلاة، الوجبات السريعة، والسهر، لا يبدو في لحظته خطيراً، لكنه مع الزمن قد يصبح وصفة متكاملة لاستنزاف البنكرياس وإرباك توازن الجسد. هنا، لا يكون السكر مجرد مذاق… بل مساراً صحياً قد يفرض على الإنسان إعادة بناء يومه بالكامل.
السكري لا يرهق الجسد فقط، بل يفرض أيضاً عبئاً نفسياً واقتصادياً. فالمصاب لا يواجه مرضاً عابراً، بل التزاماً دائماً: مراقبة الطعام، قياس السكر، أدوية أو أنسولين، فحوصات دورية، وخوف مستمر من مفاجآت صحية قد تكون مكلفة أو خطيرة. إنه انتقال قاسٍ من حرية عفوية في الأكل إلى حسابات دقيقة في كل وجبة.
لكن الصورة ليست قدراً حتمياً. فجزء كبير من المعركة يبدأ قبل التشخيص، من الوقاية نفسها: وعي غذائي، نشاط بدني، تقليل السكريات المضافة، مراقبة الوزن، والفحوصات المبكرة، خصوصا لدى من لديهم تاريخ عائلي مع المرض. لأن السكري، رغم قسوته، ليس دائماً مفاجأة… بل كثيرا ما يكون نتيجة تراكمات يمكن كبحها قبل أن تتحول إلى واقع دائم.
في النهاية، لا تكمن المأساة في السكر نفسه، بل في العلاقة المختلة معه. فحين يتحول الاستهلاك غير الواعي من متعة عابرة إلى عادة يومية، قد يصبح الثمن أكبر بكثير من مجرد لذة مؤقتة، وبين ملعقة سكر تبدو بسيطة، ومسار علاجي طويل، تقف الحقيقة الصعبة: بعض ما نستهلكه بحب اليوم… قد يفرض علينا غداً حياة كاملة من القيود.
