المرأة القاضية بالمغرب… من الحضور الرمزي إلى صناعة القرار القضائي

عصام سبادي

 

 

يشهد مسار المرأة القاضية بالمغرب تحولا لافتا يعكس دينامية متصاعدة نحو ترسيخ حضورها داخل منظومة العدالة، ليس فقط كعنصر فاعل، بل كطرف قيادي يشارك في صياغة القرار القضائي وتوجيهه. فالمعطيات التي تم الكشف عنها خلال مؤتمر دولي احتضنته الرباط، تؤكد أن المرأة لم تعد استثناء داخل هذا الحقل، بل أصبحت رقما صعبا في معادلة التوازن المؤسساتي.

في هذا السياق، يبرز إعلان محمد عبد النباوي عن تولي 26 قاضية لمناصب مسؤولية بمختلف درجات المحاكم، كمؤشر دال على تحول نوعي في بنية الجهاز القضائي. ورغم أن النسبة الإجمالية لا تزال في حدود 10,62 في المائة، إلا أن طبيعة هذه المناصب، التي تشمل رئاسة محاكم ونيابات عامة، تكشف عن اختراق فعلي لمجالات كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجال.

هذا التقدم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي الذي ميز التجربة المغربية، حيث كانت المملكة من الدول السباقة عربيا وإفريقيا إلى إدماج المرأة في سلك القضاء منذ ستينيات القرن الماضي. غير أن التحول الحقيقي لم يتبلور إلا مع تعاقب الإصلاحات المؤسساتية، خاصة بعد دستور 2011، الذي أرسى مبدأ المساواة والمناصفة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.

من زاوية أخرى، يشير حضور القاضيات داخل مؤسسات مركزية، مثل المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل، إلى انتقال المرأة من موقع التمثيلية الرمزية إلى موقع الفعل والتأثير. فمشاركة قاضيات في تأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما أشار إلى ذلك عبد النباوي، لم تكن مجرد خطوة شكلية، بل ساهمت في ترسيخ استقلالية السلطة القضائية وتعزيز بعدها التعددي.

بدوره، شدد هشام البلاوي على أن تعزيز حضور المرأة داخل القضاء يتجاوز البعد المهني ليصبح رهانا مجتمعيا يرتبط بتحقيق العدالة الشاملة. فالعدالة التي تعكس تنوع المجتمع، بحسب هذا الطرح، هي الأكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات، وهو ما يمنح تمثيلية النساء داخل الجهاز القضائي بعدا رمزيا وعمليا في الآن ذاته.

وفي سياق موازٍ، سلطت زينب العدوي الضوء على تجربة القضاء المالي، حيث سجلت القاضيات تقدما ملحوظا سواء من حيث العدد أو الولوج إلى مناصب القيادة. هذا التطور يعكس انتقال النقاش من سؤال “ولوج المرأة” إلى سؤال “تمكينها”، وهو تحول يعكس نضج التجربة وتراكمها المؤسساتي.

ورغم هذه المكتسبات، فإن التحدي الحقيقي يظل في تسريع وتيرة هذا الحضور وتعزيزه، خاصة في المناصب العليا. فالمؤشرات الحالية، وإن كانت إيجابية، تبرز أن الطريق نحو المناصفة لا يزال يتطلب جهودا إضافية، سواء على مستوى التأهيل أو تغيير بعض البنيات الذهنية. ومع ذلك، فإن ما تحقق إلى اليوم يؤكد أن المرأة القاضية بالمغرب لم تعد فقط شاهدة على تطور العدالة، بل أصبحت إحدى صانعاته الرئيسيات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد