من العطش إلى السيول… كيف قلب المناخ معادلة الماء في المغرب؟

بعد سنوات متتالية من الجفاف الحاد، بدا فيها المغرب وكأنه يسير بثبات نحو أزمة مائية خانقة، جاءت التساقطات الأخيرة وما رافقها من اضطرابات جوية قوية لتعيد رسم المشهد المائي الوطني بصورة لم تكن متوقعة حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً. فبينما كانت المؤشرات الرسمية والتحذيرات المناخية تنذر بمواسم أكثر قسوة وندرة، شهدت المملكة خلال فترات متقاربة أمطاراً غزيرة وتساقطات استثنائية في عدد من الجهات، بلغت أحياناً حد الفيضانات والخسائر المادية والبشرية، لكنها في المقابل أنعشت حقينة عدد من السدود وأعادت بعض الأمل إلى مناطق أنهكها العطش.

 

لقد عاش المغرب خلال السنوات الأخيرة على وقع معادلة مقلقة: تراجع حاد في التساقطات، انخفاض مهول في منسوب المياه الجوفية، وتراجع نسب ملء السدود إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع الدولة إلى اعتماد إجراءات استعجالية، من بناء محطات تحلية المياه، إلى ربط الأحواض المائية، وترشيد الاستهلاك في عدد من المدن. غير أن التحولات المناخية الأخيرة أظهرت وجهاً آخر أكثر تعقيداً؛ إذ لم يعد الإشكال فقط في قلة الأمطار، بل أيضاً في طبيعتها غير المنتظمة والعنيفة.

فالأمطار التي انتظرها المغاربة لإنقاذ الموسم الفلاحي وتخفيف العطش، جاءت أحياناً بشكل مفاجئ وقوي، متسببة في سيول جارفة وفيضانات بعدد من المناطق، خاصة تلك الهشة من حيث البنية التحتية أو القريبة من الأودية والمجاري الموسمية. وهكذا وجد المغرب نفسه أمام مفارقة مناخية لافتة: من ندرة المياه إلى فائض مفاجئ يصعب أحياناً التحكم في تداعياته.

ورغم الخسائر التي تخلفها الفيضانات، فإن لهذه التساقطات جانباً استراتيجياً بالغ الأهمية، يتمثل في تحسين الموارد المائية ورفع نسب ملء السدود التي عرفت انتعاشاً نسبياً بعد سنوات من التراجع المقلق. هذا التحسن، وإن كان لا يعني نهاية الأزمة، إلا أنه يؤكد أن المملكة باتت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتطوير سياسات أكثر مرونة، لا تقوم فقط على مواجهة الجفاف، بل أيضاً على حسن تدبير الوفرة المفاجئة وتخزينها وتقليل ضياعها.

لقد كشفت التجربة المغربية أن التغير المناخي لم يعد يعني فقط نقص الأمطار، بل اختلالاً شاملاً في انتظامها وتوزيعها الزمني والجغرافي، وهو ما يفرض مراجعة عميقة لطرق تدبير الموارد المائية، وتقوية البنيات الوقائية، وتحديث شبكات تصريف المياه، خصوصاً في المدن والمناطق القروية المعرضة للفيضانات.

المغرب اليوم لا يواجه فقط تحدي الجفاف كما كان يُعتقد، بل يعيش على وقع مناخ متقلب يجعل التخطيط أكثر تعقيداً، بين سنوات شح قاسية وأمطار قد تتحول في لحظة إلى خطر داهم. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية استباقية تجعل من كل قطرة مطر، سواء نزلت بهدوء أو بعنف، جزءاً من معركة الأمن المائي الوطني.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد