مدن المغرب.. ذاكرة المكان (الحلقة الثانية)

عبد الحليم السريدي

فاس… مدينة العلم التي كتبت تاريخ المغرب من أبواب الحضارة

حين تذكر فاس، لا يُستحضر اسم مدينة فقط، بل يُفتح باب واسع على ذاكرة المغرب العميقة؛ ذاكرة تشكلت بين جدران عتيقة، ومدارس علمية، وأسواق تنبض بالحرف، وأزقة ضيقة حفظت على مدى قرون أسرار السياسة والدين والثقافة. فاس ليست مجرد حاضرة تاريخية، بل واحدة من تلك المدن التي لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تحتاج إلى الإصغاء لنبضها وهي تروي كيف صاغت جزءا كبيرا من هوية المغرب.

تأسست فاس في أواخر القرن الثامن الميلادي على يد المولى إدريس الثاني، لتتحول بسرعة إلى مركز حضاري وسياسي بالغ الأهمية، خصوصا مع تعاقب الدول التي جعلت منها عاصمة ومركز إشعاع. وبفضل موقعها الاستراتيجي، أصبحت المدينة نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين إفريقيا والأندلس، فاستقبلت موجات من العلماء والتجار والحرفيين، ما منحها تنوعا ثقافيا استثنائيا انعكس على عمرانها وفكرها وحياتها اليومية.

داخل أسوار فاس العتيقة، التي تعد من أكبر المجالات الحضرية التقليدية في العالم، تبدو المدينة وكأنها متحف مفتوح للحضارة المغربية. من باب بوجلود، أحد أشهر أبوابها، إلى أزقة فاس البالي التي تتشابك فيها الأسواق والدروب، يشعر الزائر أنه يسير داخل كتاب تاريخ حي. هناك، تختلط رائحة الجلد في المدابغ التقليدية بأصوات الصناع وهم يحافظون على مهن توارثتها الأجيال، من النحاس والخشب المنقوش إلى الزليج والخياطة التقليدية.

لكن فاس لم تكن فقط مدينة تجارة وصناعة، بل ارتبط اسمها أساسا بالعلم. ففيها تأسست جامعة القرويين، التي تعد من أقدم الجامعات في العالم، والتي تحولت عبر القرون إلى منارة للمعرفة الدينية واللغوية والفكرية، يقصدها طلبة العلم من مختلف الأقطار. ومن رحم هذه المدينة خرج علماء وفقهاء ومفكرون ساهموا في تشكيل البنية الفكرية للمغرب الكبير وخارجه.

وتتميز فاس أيضا بخصوصية روحية واضحة، حيث تنتشر الزوايا والمساجد والمدارس العتيقة التي تعكس مكانتها الدينية، ما جعلها لعقود طويلة مرجعا في العلوم الشرعية والتصوف المعتدل. هذه المكانة منحت المدينة بعدا يتجاوز الجغرافيا، لتصبح رمزا لعمق المغرب الحضاري.

ورغم هذا المجد التاريخي، تعيش فاس اليوم على وقع تحديات متعددة، أبرزها كيفية التوفيق بين حماية تراثها الإنساني العالمي وبين متطلبات التحديث والتنمية الاقتصادية. فالمدينة التي حافظت على جزء كبير من ذاكرتها العمرانية، تجد نفسها مطالبة بمواجهة إكراهات البطالة، وتراجع بعض الصناعات التقليدية، وضغط التحولات الاجتماعية الحديثة. ومع ذلك، ما تزال فاس تحتفظ بقدرتها الخاصة على مقاومة النسيان، كأنها تصر على أن الماضي يمكن أن يكون جزءا من المستقبل.

في فاس، لا تبدو المدينة مجرد مكان للسكن، بل فضاء تتعايش فيه الذاكرة مع الحياة اليومية. هي مدينة كتبت تاريخها بالحبر والعلم والصناعة، وما تزال إلى اليوم شاهدة على مرحلة كان فيها المغرب يصنع إشعاعه من أبواب المعرفة.

فاس ليست فقط العاصمة العلمية للمملكة… إنها مدينة كلما دخلتها، شعرت أن الزمن فيها لا يمضي، بل يقيم بين جدرانها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد