حليم السريدي
لم تعد الطفولة اليوم تشبه تلك التي عرفتها الأجيال السابقة. فالأطفال الذين كانوا يقضون ساعاتهم في اللعب والحركة والاحتكاك بالحياة اليومية، أصبح كثير منهم يعيشون داخل عالم آخر؛ عالم الشاشات، والوجبات السريعة، والعزلة الرقمية، والإيقاع السريع الذي فرضته الحياة الحديثة حتى على أصغر الأعمار. وبينما يبدو الأمر في ظاهره مجرد تطور طبيعي في أسلوب العيش، فإن أجساد الأطفال وصحتهم النفسية والعقلية تدفع ثمن هذا التحول بهدوء مقلق.
في كثير من البيوت، أصبح الهاتف أو اللوحة الإلكترونية جزءاً من يوميات الطفل منذ سنواته الأولى. ساعات طويلة أمام المحتوى الرقمي، مقابل تراجع اللعب الحركي، والأنشطة الخارجية، والتفاعل الاجتماعي المباشر. وهكذا، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بالإدمان على الشاشة، بل بما تسحبه تدريجياً من الطفل: الحركة، التركيز، النوم الجيد، وحتى القدرة على التواصل الطبيعي مع محيطه.
بالتوازي مع ذلك، تغيرت أيضاً علاقة الأطفال بالطعام. فالمشروبات المحلاة، والحلويات الصناعية، والمقرمشات، والوجبات السريعة، أصبحت حاضرة بقوة في النظام الغذائي اليومي، مدعومة بإعلانات جذابة وثقافة استهلاك تجعل “المذاق السريع” أهم من القيمة الغذائية. والنتيجة تظهر بشكل متزايد في ارتفاع معدلات السمنة لدى الأطفال، وضعف اللياقة البدنية، واضطرابات التركيز، وحتى مشاكل صحية كانت تُعتبر سابقاً مرتبطة بالكبار فقط.
المفارقة أن كثيراً من الآباء يربطون “العناية” بتوفير ما يحبه الطفل، حتى لو كان ضاراً على المدى البعيد. فيتحول الإفراط في السكر أو الشاشات إلى شكل من أشكال الترفيه أو المكافأة، بينما تتراجع عادات أساسية مثل النوم المبكر، والأكل المتوازن، والنشاط البدني. ومع الوقت، لا يتشكل فقط جسد أقل مقاومة، بل أيضاً نمط حياة قد يرافق الطفل حتى مرحلة البلوغ.
الصحة النفسية للأطفال بدورها أصبحت تواجه تحديات جديدة. فالعزلة، وقلة التواصل الحقيقي، والتعرض المستمر للمحتوى السريع، كلها عوامل تؤثر على الانتباه، والصبر، والقدرة على التفاعل. كما أن النوم المضطرب الناتج عن استخدام الشاشات ليلاً، ينعكس مباشرة على التركيز والمزاج والتحصيل الدراسي.
ورغم كل هذه التحولات، لا تزال الوقاية ممكنة، بل تبدأ من تفاصيل بسيطة داخل البيت: تقنين وقت الشاشة، تشجيع اللعب والحركة، إعادة الاعتبار للوجبات المنزلية، تقليل السكريات، وتنظيم ساعات النوم. لأن الطفل لا يبني فقط ذاكرته وعاداته في هذه المرحلة، بل يبني أيضاً صحته المستقبلية.
في النهاية، لا تكمن خطورة العصر الرقمي في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نسمح لها بأن تعيد تشكيل طفولة كاملة. وبين شاشة تسرق ساعات الحركة، وسكر يستهلك الجسد بصمت، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نُربي أطفالاً يعيشون براحة مؤقتة… أم نؤسس جيلاً قد يدفع صحته ثمناً مبكراً لعادات لم يخترها بنفسه؟
