المواطن بين القفة والمنشور الممول.. أيهما أكثر إقناعا؟

 

حليم السريدي

في المغرب، كما في كثير من الدول التي تعيش تحولات سياسية واجتماعية متسارعة، لم تعد المعركة الانتخابية مجرد مواجهة بين برامج وأفكار، بل تحولت تدريجياً إلى معركة معقدة تُدار بالأرقام، والصور، وقواعد البيانات، والخوارزميات، وحتى بالانطباعات النفسية التي تُصنع بعناية داخل الفضاء الرقمي. وإذا كان السياسي في الماضي يعتمد على “المقدم”، وشيخ الحي، والأعيان، وشبكات العلاقات العائلية والقبلية، فإن جزءاً من الطبقة السياسية اليوم انتقل إلى مرحلة جديدة: مرحلة “الهندسة الرقمية” للناخب.

في السابق، كانت اللوائح الانتخابية تُعتبر كنزاً سياسياً حقيقياً. لم تكن مجرد أسماء وأرقام بطاقات تعريف، بل خريطة دقيقة لفهم المزاج الانتخابي. كانت بعض الحملات الانتخابية تشتغل بمنطق الإستهداف السياسي؛ أي فرز الناخبين حسب القابلية للاستمالة: من يحتاج خدمة إدارية؟ من ينتظر وظيفة؟ من يمكن التأثير عليه عبر وسيط عائلي؟ من له حساسية تجاه الخطاب الديني أو القبلي أو الاجتماعي؟ كانت العملية تتم بطريقة تقليدية لكنها فعالة، تعتمد على الاحتكاك المباشر، والوعود، واستغلال الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.

ومع دخول العصر الرقمي، ظن البعض أن قواعد اللعبة أصبحت أسهل. فبدل التنقل بين الأحياء والأسواق والمقاهي، صار بالإمكان الوصول إلى آلاف الأشخاص بضغطة زر. وهكذا ظهرت السياسة الرقمية التي اختزلت المواطن في “معطى إلكتروني”: رقم هاتف، حساب فيسبوك، تفاعل، تعليق، إعجاب، مشاركة. لم يعد الإنسان يُقرأ من خلال واقعه فقط، بل من خلال سلوكه الرقمي أيضاً.

هنا بدأت مرحلة جديدة أكثر خطورة: مرحلة تحويل السياسة إلى عملية تسويق نفسي جماعي. فبعض السياسيين أو الأحزاب أو الجهات المساندة لهم لم يعودوا يبحثون فقط عن إقناع المواطن، بل عن “توجيهه”. تُدرس اهتمامات الناس، مخاوفهم، غضبهم، وحتى الكلمات التي تستفزهم أو تستميلهم. ثم تُصنع الرسائل السياسية وفق هذه المعطيات، لا وفق مشروع مجتمعي حقيقي.

أصبح السياسي الحديث أشبه بمسوّق إلكتروني أكثر منه رجل دولة. يراقب نسب التفاعل، يختبر المنشورات، يقيس “الترند”، ويتابع أي صورة تحقق الانتشار الأكبر. فإذا نجحت صورة وسط المتصفحين أعاد إنتاجها، وإذا جلب خطاب شعبوي آلاف المشاهدات كرره، وإذا لاحظ أن لغة الصراع ترفع نسب التفاعل، دخل في معارك افتراضية مفتوحة. هكذا تحولت السياسة من تدبير للشأن العام إلى صناعة مستمرة للصورة.

لكن المشكلة الكبرى أن المنصات الرقمية ليست فضاءات بريئة كما يعتقد البعض. فهي تشتغل بمنطق الخوارزميات، والخوارزمية لا تكافئ الحقيقة، بل تكافئ الإثارة. المنشور الغاضب ينتشر أكثر من التحليل الهادئ، والخطاب الشعبوي أسرع من النقاش العقلاني، والسخرية أكثر جذباً من الأرقام والمعطيات. لهذا وجد كثير من السياسيين أنفسهم مدفوعين نحو التبسيط المفرط، والاستعراض، وإثارة الجدل، لأن ذلك يضمن الحضور الرقمي.

وهنا ظهر نوع جديد من “البلطجة السياسية”، لكن بلباس إلكتروني. جيوش من الصفحات والحسابات الوهمية أو الموجهة، مهمتها رفع شخص، وتحطيم آخر، وصناعة انطباع عام بأن هناك “إجماعاً شعبياً” حول شخصية معينة. التعليقات تُنسخ، الشتائم تُوزع، والإعجابات تُضخ بطريقة تجعل المواطن العادي يعتقد أن الرأي العام قد حُسم. إنها محاولة لخلق “واقع افتراضي” يسبق الواقع الحقيقي.

غير أن هذا السلاح الرقمي تحول مع الوقت إلى سلاح ذي حدين. لأن المواطن المغربي نفسه تغير. لم يعد ذلك المتلقي البسيط الذي يستهلك الخطاب دون تمحيص. سنوات الإنترنت، والسخرية الجماعية، وتجارب الوعود السياسية المتكررة، صنعت مواطناً أكثر شكا، وأكثر قدرة على قراءة ما بين السطور. المغربي اليوم، كما يقال شعبياً، أصبح يعرف “الحامض من السفري”. يميز بين الصورة المصنوعة والواقع الحقيقي، بين السياسي الذي يظهر فقط وقت الانتخابات، والسياسي الذي يحضر حين تقع أزمة أو كارثة أو ملف اجتماعي حارق.

بل إن المنصات نفسها التي استُعملت لتوجيه المواطن، أصبحت فضاءً لفضح التناقضات. صورة قديمة، تصريح منسي، وعد انتخابي لم يتحقق، أو تناقض بسيط في خطاب سياسي، يمكن أن يتحول في ساعات إلى مادة للسخرية الجماعية. وهنا يفقد السياسي السيطرة على صورته التي حاول بناءها لسنوات.

المفارقة أن بعض السياسيين لم يستوعبوا بعد هذا التحول. ما زالوا يشتغلون بالعقلية القديمة نفسها، لكن بأدوات حديثة. انتقلوا من “القفة” إلى المنشور الممول، ومن الولائم الانتخابية إلى البث المباشر، ومن استمالة الأعيان إلى شراء التفاعل الرقمي. لكن الجوهر بقي واحداً: محاولة صناعة الولاء بدل صناعة الثقة.

ولعل أخطر ما في هذا المشهد هو أن السياسة تحولت تدريجياً إلى فرجة. المواطن يُطلب منه أن يتفاعل لا أن يفكر، أن يصفق لا أن يناقش، أن يختار بين “Like” و“Dislike” بدل أن يسائل البرامج والسياسات العمومية. وهكذا يصبح الرأي العام رهينة لمن يملك قدرة أكبر على التحكم في الصورة، لا لمن يملك مشروعاً أفضل للمجتمع.

إن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بالخوارزميات وحدها، ولا بإحصاء عدد المتابعين، ولا بصناعة “الترند”. الديمقراطية تحتاج إلى وعي نقدي، وإعلام مستقل، ونقاش عمومي حقيقي، ومواطن لا يكتفي بالاستهلاك الرقمي، بل يربط الخطاب بالفعل، والشعار بالنتيجة، والصورة بالحقيقة.

لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه السياسة، هو أن يتحول المواطن من شريك في القرار إلى مجرد “بيانات” داخل حملة انتخابية رقمية ضخمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد