بيوكرى… “رحلات العار”حين يُنقل عمال الحقول كسلع في شاحنات الموت

 

أشرف بونان

 

في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي بمدخل مدينة بيوكرى ونواحيها، تتكدّس عشرات الأجساد البشرية فوق عربات شاحنات مخصصة أصلاً لنقل السلع، لا البشر. رجال ونساء، بعضهم في سن متقدمة، وآخرون بالكاد يقوون على الوقوف، يُحشرون في فضاء ضيق، بلا مقاعد، بلا حماية، وبلا أدنى شروط السلامة. وجهتهم الحقول، أما وسيلتهم فـ”كاميون” مفتوح يختزل، في صمته، قصة استغلال طويل.

الصورة التي توصلت بها نيشان الآن ليست استثناءً، بل عنوان لواقع مألوف في القطاع الفلاحي، حيث يتم نقل ما يفوق الأربعين عاملاً في رحلة واحدة، في ظروف أقرب إلى التهريب منها إلى نقل اليد العاملة. رحلة قد تنتهي بوصولهم إلى الضيعات… أو بحادث مأساوي يضاف إلى سجل طويل من الفواجع المنسية.

ورغم أن الترسانة القانونية المغربية واضحة في هذا الباب، وتُلزم أرباب العمل بتوفير وسائل نقل لائقة ومؤمنة، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة عميقة بين النص والتطبيق. شاحنات متهالكة، حمولة بشرية مفرطة، وسائقون يغامرون بأرواح العشرات يومياً دون رقيب أو حسيب.

الأسباب متعددة، لكنها لا تبرر المشهد: أولها هاجس تقليص التكاليف لدى بعض أرباب الضيعات، حيث يُعتبر النقل الآمن “كلفة إضافية” يمكن الاستغناء عنها. ثانيها انتشار الوسطاء أو “الشناقة” الذين يتولون تجميع العمال ونقلهم بطرق عشوائية، خارج أي إطار قانوني منظم. أما ثالثها، فهو هشاشة هذه الفئة من العمال، الذين يرضخون للأمر الواقع تحت ضغط الحاجة، في غياب بدائل حقيقية.

لكن الأخطر من كل ذلك، هو الصمت. صمت يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور المراقبة وزجر المخالفات. فكيف يُعقل أن تمر شاحنات مكتظة بهذا الشكل عبر الطرقات دون تدخل؟ وأين هي حملات المراقبة الطرقية والتفتيش الاجتماعي؟ ومن يتحمل مسؤولية الأرواح التي تُوضع يومياً على حافة الخطر؟

إن ما يحدث في بيوكرى ليس مجرد “تفصيل مهني”، بل انتهاك صريح لكرامة الإنسان وحقه في شروط عمل آمنة. فالعامل الذي يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الفلاحي، يستحق على الأقل وسيلة نقل تحفظ حياته، لا أن تُعرّضها للخطر منذ لحظة انطلاقه نحو العمل.

اليوم، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بتبريرات جاهزة أو التغاضي عن هذه الممارسات. المطلوب تدخل حازم، يبدأ بتشديد المراقبة، ويمر عبر محاسبة كل من يستهين بأرواح العمال، وصولاً إلى فرض بدائل نقل مهنية تليق بكرامة الإنسان.

وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل “رحلات الكاميون” شاهداً يومياً على مفارقة مؤلمة: عمال يزرعون الخير في الأرض… ويُحصدون همال في الطريق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد