عبد الحليم السريدي
التوتر… حين يتحول الضغط النفسي إلى مرض يسكن الجسد
لم يعد التوتر مجرد حالة عابرة مرتبطة بيوم سيئ أو مشكلة مؤقتة، بل أصبح عند كثيرين أسلوب عيش دائم. استيقاظ على القلق، يوم مليء بالضغط، وأفكار لا تتوقف حتى أثناء الليل. في عالم تتسارع فيه المتطلبات وتضيق فيه مساحات الراحة، يعيش الإنسان الحديث وكأنه في حالة استنفار مستمرة، حتى صار الجسد نفسه يدفع ثمن هذا الإنهاك النفسي بصمت.
في المغرب، كما في كثير من المجتمعات، تتداخل أسباب التوتر بشكل يومي: غلاء المعيشة، ضغط العمل، البطالة، مشاكل الأسرة، الخوف من المستقبل، الإيقاع السريع للمدينة، وحتى المقارنة المستمرة التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي. لم يعد الإنسان يواجه فقط مشاكله الواقعية، بل أيضاً ضغط الصورة المثالية التي يراها أمامه كل يوم.
الخطير في التوتر أنه لا يبقى داخل العقل فقط، بل ينتقل تدريجياً إلى الجسد. تسارع ضربات القلب، اضطرابات النوم، الصداع، مشاكل الهضم، الإرهاق الدائم، ارتفاع ضغط الدم، وضعف المناعة… كلها قد تكون رسائل يطلقها الجسد حين يعجز العقل عن تحمل المزيد. وهنا تتحول الضغوط النفسية من حالة معنوية إلى مرض حقيقي يرهق الإنسان من الداخل.
المفارقة أن كثيرين يعتبرون التوتر أمراً عادياً، بل أحياناً علامة على “الاجتهاد” أو “تحمل المسؤولية”، فيستمرون في تجاهل الإنذارات الأولى إلى أن يصل الجسد إلى مرحلة الانهيار. البعض لا ينتبه إلى خطورة ما يعيشه إلا بعد نوبة هلع، أو أزمة صحية مفاجئة، أو حالة اكتئاب تجعله غير قادر حتى على ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي.
التكنولوجيا بدورها عمقت هذا الإرهاق. فالعقل لم يعد يحصل على لحظة صمت حقيقية. إشعارات، أخبار، رسائل، جدالات، ومحتوى لا ينتهي… كلها تجعل الدماغ في حالة يقظة دائمة، حتى أثناء أوقات الراحة. وهكذا أصبح الإنسان متصلاً بالعالم طوال الوقت، لكنه منفصل أكثر من أي وقت مضى عن راحته الداخلية.
لكن التوتر ليس قدراً لا يمكن مقاومته. فالجسد والعقل يحتاجان إلى ما يشبه “مساحات تنفس” يومية: نوم كافٍ، حركة، لحظات هدوء، تقليل الاستهلاك المفرط للشاشات، والقدرة على الفصل بين العمل والحياة الشخصية. كما أن الحديث عن الصحة النفسية لم يعد رفاهية، بل ضرورة حقيقية في زمن تتزايد فيه الضغوط بشكل غير مسبوق.
في النهاية، قد يتحمل الإنسان كثيراً من الضغوط دون أن ينهار فوراً، لكن الجسد لا ينسى. كل قلق مؤجل، وكل تعب نفسي مكبوت، يترك أثراً داخله ولو بصمت. وبين حياة تُعاش تحت الضغط المستمر، وجسد يحاول الصمود إلى آخر لحظة، تبقى الحقيقة واضحة: أحياناً لا يمرض الإنسان بسبب فيروس أو عدوى… بل بسبب حياة أثقلت روحه أكثر مما يحتمل.
