سلسلة”مدن المغرب.. ذاكرة المكان” (الحلقة السابعة) الصويرة… المدينة التي تعزف على إيقاع البحر والريح والذاكرة.   

 

حليم السريدي

في الصويرة، يبدو كل شيء مختلفا؛ الريح، الضوء، رائحة البحر، وحتى الزمن نفسه. ليست مدينة تركض مثل الدار البيضاء، ولا مدينة تغرق في الهيبة التاريخية مثل فاس ومكناس، بل فضاء هادئ يترك للبحر مهمة رواية الحكايات، وللريح مهمة حمل أسرار المكان من جيل إلى آخر.

تقع الصويرة على الساحل الأطلسي، حيث ظلت عبر قرون نقطة عبور تجاري وثقافي بين المغرب وإفريقيا وأوروبا. وقد عرفت المدينة، التي كانت تحمل اسم “موغادور”، حضورا متنوعا لحضارات وشعوب متعددة، من الفينيقيين إلى البرتغاليين، قبل أن تأخذ شكلها الحالي في القرن الثامن عشر خلال عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي أراد لها أن تكون ميناءً تجاريا منفتحا على العالم.

ومنذ ذلك الحين، تشكلت هوية الصويرة كمدينة بحرية بامتياز؛ أسوار تطل على المحيط، ومدافع قديمة تواجه الأمواج، وأزقة بيضاء تتخللها نوافذ وأبواب زرقاء تمنح المكان هدوءا خاصا. داخل المدينة العتيقة، التي أدرجت ضمن التراث العالمي، يشعر الزائر وكأنه يسير داخل لوحة فنية تتداخل فيها العمارة المغربية بالتأثيرات الأوروبية.

لكن روح الصويرة لا تختصر في الحجر وحده، بل في ذلك الإيقاع الثقافي المختلف الذي جعلها مدينة للفن والموسيقى والانفتاح. هنا، امتزجت الثقافة الأمازيغية بالإفريقية والعربية واليهودية، لتولد شخصية فريدة جعلت المدينة فضاء للتعايش والتنوع. ولم يكن غريبا أن تتحول إلى عاصمة لموسيقى كناوة، حيث يجتمع الفنانون والزوار من مختلف أنحاء العالم في مهرجان سنوي أصبح أحد أبرز المواعيد الثقافية بالمغرب.

وفي مينائها الصغير، تبدو الحياة أكثر بساطة. قوارب الصيد الزرقاء تصطف على إيقاع الأمواج، والصيادون يواصلون طقوسهم اليومية التي لم تتغير كثيرا رغم تغير الزمن. هناك، لا يزال البحر مصدر رزق وذاكرة جماعية في آن واحد.

غير أن الصويرة، رغم سحرها، تواجه بدورها تحديات العصر. فالمدينة التي أصبحت وجهة سياحية عالمية مطالبة بالحفاظ على توازنها الهش بين الجذب السياحي وحماية روحها الأصلية. كما أن ضغط الاستثمار وارتفاع أسعار العقارات بدأ يغير ملامح بعض أحيائها، في وقت يحاول فيه السكان الحفاظ على هوية مدينة بُنيت على البساطة والانفتاح.

ومع ذلك، تظل الصويرة مدينة مختلفة عن باقي المدن المغربية. مدينة لا تفرض نفسها بالصخب، بل بالتفاصيل الصغيرة؛ بصوت الأمواج، برائحة الخشب والبحر، وبالريح التي لا تتوقف عن العبور بين أزقتها.

الصويرة… ليست مجرد مدينة ساحلية، بل حالة من الصفاء، ومكان تعلم فيه المغرب كيف يحول البحر إلى ذاكرة، والريح إلى موسيقى لا تنتهي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد