حين يلتهم الكراء معظم الأجور… هل تواجه المدن السياحية المغربية تحديات متزايدة في التوازن بين الدخل وكلفة العيش؟
عصام سبادي
أعادت معطيات حديثة صادرة عن منصة Numbeo النقاش حول كلفة السكن بعدد من المدن المغربية الكبرى، وذلك عقب نشر أرقام تشير إلى ارتفاع نسبة الكراء مقارنة بمتوسط الدخل، خاصة بمدينة طنجة. ووفق التحيين الأخير للمنصة، فإن متوسط كراء شقة صغيرة وسط المدينة يقترب من مستوى متوسط الأجر الصافي، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة بعض الفئات على التوفيق بين تكاليف السكن وباقي مصاريف المعيشة اليومية، دون الجزم بكون هذه المعطيات تمثل إحصاءات رسمية أو شاملة لكل الفئات الاجتماعية.
وتفتح هذه الأرقام الباب أمام تساؤلات أوسع لا تهم طنجة وحدها، بل تشمل أيضا مدنا تعرف بدورها دينامية سياحية وعمرانية واقتصادية مثل مراكش وأكادير. فإلى أي حد أصبحت أسعار الكراء في بعض الأحياء تتجاوز وتيرة تطور الدخل لدى فئات من المواطنين؟ وهل تعكس هذه التحولات فقط ارتفاع الطلب المرتبط بالنمو الحضري والسياحي، أم أن الأمر يرتبط كذلك بطبيعة العرض العقاري وتمركز فرص الشغل والخدمات داخل مناطق محددة؟
وفي ظل تزايد الإقبال على المدن ذات الجاذبية الاقتصادية والسياحية، يطرح متابعون تساؤلات حول تأثير هذا الواقع على فئات مختلفة، من بينها الشباب المقبل على الاستقرار المهني أو تكوين الأسر، وكذا العاملون في قطاعات ذات دخل متوسط أو محدود. فهل أصبح العثور على سكن مناسب داخل بعض المدن الكبرى أكثر صعوبة مقارنة بسنوات سابقة؟ وهل يؤدي ارتفاع الكراء إلى توسع السكن في المناطق البعيدة عن مراكز النشاط والخدمات؟ أم أن السوق العقارية تعيش فقط مرحلة مرتبطة بارتفاع الطلب وتغير أنماط الاستثمار؟
كما تثير هذه المعطيات نقاشا حول العلاقة بين التطور العمراني وتحسين جودة العيش. فبينما تعرف مدن مثل طنجة ومراكش وأكادير مشاريع استثمارية وسياحية متواصلة، يتساءل البعض عما إذا كانت وتيرة تطور الأجور والقدرة الشرائية تواكب بدورها التحولات التي يعرفها سوق السكن. ويظل هذا النقاش مطروحا في إطار قراءة اجتماعية واقتصادية عامة، بعيدا عن أي أحكام قطعية أو تعميمات قد لا تنطبق على جميع الحالات أو المناطق.
ورغم أن بيانات Numbeo تعتمد أساسا على مؤشرات مقارنة ومعطيات يتم تحيينها بشكل دوري، ولا يمكن اعتبارها بديلا عن الدراسات والإحصاءات الرسمية، فإنها تعكس توجها يثير اهتمام المتابعين والمهتمين بقضايا السكن والقدرة الشرائية. ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن تحقيق توازن يحافظ في الآن نفسه على جاذبية المدن واستثماراتها، ويأخذ بعين الاعتبار القدرة المعيشية لفئات واسعة من السكان؟
