تسارع النقاش حول تصاميم التهيئة يعيد التوتر إلى جماعة الدار البيضاء قبل نهاية الولاية

تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الفترة الأخيرة حركية مكثفة مرتبطة بملف تصاميم التهيئة، الذي عاد بقوة إلى واجهة الاهتمام السياسي والعمومي، في ظل اجتماعات متتالية داخل عدد من المقاطعات استعدادا لعرض مشاريع جديدة مرتبطة بالتخطيط العمراني قبل انتهاء الولاية الحالية، ما أعاد الجدل حول مستقبل المجال الحضري للعاصمة الاقتصادية وما يرافقه من توازنات دقيقة بين متطلبات التطوير العمراني وانعكاساته الاجتماعية.

وتفيد معطيات متداولة أن عددا من المجالس المحلية شرعت في إعداد تصورات أولية تخص المشاريع الاستثمارية والتجهيزية المندرجة ضمن الرؤية الجديدة للتهيئة، في وقت يظهر فيه توجه لدى بعض المسؤولين نحو تسريع إخراج هذه التصاميم إلى حيز الإجراء قبل نهاية الفترة الانتدابية، بالنظر إلى ما تحمله من أبعاد تنموية وسياسية مرتبطة بتدبير الشأن المحلي.

ورغم حساسية هذا الملف الذي ظل لسنوات محط نقاش واسع داخل المدينة، بسبب تأثيره المباشر على شكل الأحياء ومستقبلها العمراني، فإن عددا من المسؤولين المحليين يحاولون تمرير هذه المشاريع مع تقليل مستوى التوتر الاجتماعي، خصوصا مع تنامي مخاوف السكان من تغييرات قد تمس البنية السكنية والاجتماعية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية أو الطابع التاريخي.

وفي هذا السياق، عاد موضوع تصميم التهيئة إلى الواجهة داخل مقاطعة الفداء، حيث عقد اجتماع رسمي ضم مسؤولين محليين وأعضاء من المجلس وممثلي المصالح التقنية، خُصص لبحث التوجهات الأولية للمخطط الجديد الخاص بالمقاطعة، في إطار ما يشبه حالة استنفار مرتبطة بهذا الورش الحضري.

وتم خلال الاجتماع عرض أرضية أولية تتعلق بمقترحات المشاريع الاستثمارية المرتقب إدراجها ضمن التصور الجديد، على أن يتم لاحقا عرضها على اللجان المختصة من أجل الدراسة وإبداء الرأي، وفقا للمساطر التنظيمية الجاري بها العمل.

كما قدمت المصالح التقنية عرضا شاملا تضمن حزمة من المشاريع المقترحة التي تشمل مجالات اجتماعية واقتصادية وثقافية ورياضية، في محاولة لبلورة تصور تنموي جديد يروم تحسين جودة الخدمات وتعزيز البنيات الأساسية بعدد من أحياء المقاطعة.

ويأتي هذا التطور في سياق يعرف فيه ملف تصاميم التهيئة بالدار البيضاء احتقانا متزايدا، خاصة بعد الجدل الذي رافق مشروع التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي، والذي أثار نقاشا واسعا داخل المجلس الجماعي وخارجه، بسبب ما اعتبره عدد من الفاعلين اختلالات في إعداد مضامينه وطريقة تدبيره.

وخلال دورة ماي العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء، تحولت نقطة التصويت المتعلقة بالمشروع إلى نقاش حاد بين مكونات المجلس، بعدما عبّر عدد من الأعضاء عن تحفظهم على طريقة عرض الملف، معتبرين أن المسار المعتمد لم يراعِ حجم الملاحظات السابقة الصادرة عن المقاطعة أو الساكنة.

وذهب بعض المنتخبين إلى اعتبار أن طرح المشروع للتصويت دون استكمال النقاش التقني يمثل تجاوزا لمبدأ التشاور المؤسساتي، خاصة أن الأمر يتعلق بمستقبل أحياء مكتظة ذات بعد اجتماعي وتاريخي مهم داخل المدينة.

كما سجل متدخلون أن الصيغة الحالية للمشروع لا تعكس تطلعات السكان، مشيرين إلى غياب رؤية شاملة تراعي خصوصيات الحي المحمدي، إضافة إلى ضعف المقاربة الاجتماعية في التعامل مع التحولات الديمغرافية والضغط السكاني المتزايد.

في المقابل، اعتبر أحد أعضاء المجلس الجماعي أن هذا الحي يتميز برمزية خاصة داخل الذاكرة الحضرية للمدينة، وأن أي تصور عمراني يجب أن يستحضر هذه الخصوصية، بدل الاكتفاء بمعالجة تقنية بحتة لا تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والثقافي.

وأضاف أن الوضع السكني داخل المنطقة يعاني من اكتظاظ واضح، ما يستدعي حلولا واقعية، غير أن المشروع الحالي لم يقدم، بحسب تعبيره، بدائل كافية لمعالجة هذا الإشكال، سواء من حيث إعادة الهيكلة أو تحسين ظروف العيش.

كما حذر متدخلون من أن غياب حلول مرنة للتوسع العمراني قد يدفع بعض السكان إلى البناء غير المنظم، مما قد يزيد من تعقيد الوضع العمراني بدل معالجته، في ظل غياب رؤية بديلة واضحة.

ومن جهته، أوضح مسؤول في المجلس الجماعي أن النقاش الدائر لا يتعلق بالمصادقة النهائية على المشروع، بل يندرج فقط في إطار إبداء الرأي داخل المسطرة القانونية، مشيرا إلى أن المقترح المعروض يستند إلى ما سبق أن صادقت عليه مقاطعة الحي المحمدي في مرحلة سابقة.

وكانت مقاطعة الحي المحمدي قد عقدت خلال الأسابيع الماضية اجتماعات متعددة لمناقشة تفاصيل المشروع، قبل أن تعلن رفضها للصيغة الحالية، داعية إلى إعادة النظر فيه واعتماد مقاربة تشاركية أوسع تشمل مختلف الفاعلين المحليين.

وفي ظل هذا الوضع، يتواصل الضغط على مختلف المتدخلين من أجل التوصل إلى صيغة توافقية توازن بين متطلبات التنمية الحضرية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، في مدينة تواجه منذ سنوات تحديات متزايدة مرتبطة بالتوسع العمراني والضغط الديمغرافي والحاجة إلى تحديث البنيات الأساسية.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد