عصام سبادي
لم يعد المشهد مرتبطاً بمجرد “تدبير مرفق عمومي”، بل أصبح في عدد من المدن مشهداً متكرراً يثير الاستفزاز قبل أن يثير النقاش: مواطن يوقف سيارته لدقائق، عنصر تابع لشركة تدبير مواقف يظهر بسرعة، “صابو” يُثبت في لحظة، ثم يبدأ صدام صامت أو صاخب قد ينتهي أحياناً بما هو أخطر من مجرد خلاف عابر. هنا لا يعود السؤال تقنياً، بل يتحول إلى سؤال صادم: كيف تحوّل الفضاء العمومي إلى مساحة مواجهة مباشرة بين المواطن وشركات خاصة، دون وسائط حقيقية تحمي الطرفين؟
إذا كانت هذه الشركات تشتغل، كما يُقال، بعقود قانونية وتفويضات صادرة عن جماعات ترابية، فلماذا تُمارس عملياً منطق التنفيذ الفوري في الشارع، وكأنها سلطة ميدانية قائمة بذاتها؟ ولماذا يُترك عنصر بسيط ليكون أول وآخر واجهة للصدام مع المواطن، بدل أن تكون هناك مساطر قانونية وإدارية واضحة تُفعل عند الاعتراض أو الرفض؟ هل أصبح “الصابو” قراراً يُنفذ في ثوانٍ، بينما العدالة الإدارية تحتاج وقتاً لا يراه المواطن أصلاً؟
ثم سؤال أكثر إزعاجاً: من الذي صمم هذا النموذج أصلاً؟ هل الهدف هو تنظيم السير والجولان فعلاً، أم خلق نظام يعتمد على التدخل السريع في الشارع دون تدرج: لا إنذار كافٍ، لا شرح مسبق، لا آلية اعتراض فورية، فقط التنفيذ ثم النقاش إن وُجد؟ وكيف يمكن لنظام بهذه الحساسية أن يستمر دون أن يعيد النظر في فلسفة اشتغاله قبل أدواته؟
الأخطر أن جزءاً من المواطنين لا يتعامل مع الأمر كمسألة مالية فقط، بل كموقف مبدئي مرتبط بطريقة فرض القرار داخل الفضاء العام. فهل تم فتح نقاش عمومي حقيقي حول هذا النموذج؟ أم أن المواطن وجد نفسه أمام واقع مُنزل، ثم طُلب منه فقط التكيف معه في الشارع، تحت ضغط التنفيذ الفوري؟
وأين هي المجالس الجماعية من هذا كله؟ هل انتهى دورها عند التوقيع على العقود ومنح التفويضات؟ أم أن مسؤوليتها تمتد إلى ما يحدث فعلياً في الميدان من احتكاك وتوتر وصدامات متكررة؟ كيف تُسلّم جماعات ترابية جزءاً من الفضاء العمومي لشركات خاصة، ثم تنسحب سياسياً ومؤسساتياً عند أول احتكاك اجتماعي؟ أليست هذه المجالس مسؤولة عن حماية التوازن بين التدبير والقبول الاجتماعي له؟
ثم سؤال لا يمكن تجاهله: أين هي آليات المراقبة والتتبع؟ أين تقارير تقييم هذا النموذج في الشارع؟ ولماذا لا يُطرح سؤال الأثر الاجتماعي والنفسي لهذه الممارسات على المواطن، خصوصاً عندما يتحول الركن اليومي إلى مصدر توتر دائم؟
في الميدان، الصورة أكثر حدّة من أي نص قانوني: تنفيذ سريع، تدخل مباشر، توتر لفظي متكرر، وأحياناً احتكاك جسدي. فكيف يمكن تبرير ترك هذا النوع من الحساسية في يد آليات اشتغال ميدانية مباشرة، دون أن تكون هناك قنوات واضحة وسريعة للاعتراض داخل النظام نفسه؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يناقش في الشارع، بدل أن يناقش داخل مسطرة تحفظ كرامته وحقوقه؟
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل خطورة: هل “الصابو” ما زال أداة تنظيم، أم أنه في الممارسة اليومية تحول إلى وسيلة ضغط وتنفيذ فوري، يُستعمل قبل أن يُشرح، ويُطبق قبل أن يُفهم؟ ولماذا يغيب التدرج في التواصل والإشعار، بينما يحضر التنفيذ بسرعة لافتة؟
ثم من يتحمل مسؤولية ما يحدث عندما يتحول الاحتكاك إلى صراع فعلي؟ هل هي الشركة التي تدفع بمستخدميها إلى الخط الأمامي؟ أم الجماعات التي صممت الإطار وغابت عن الميدان؟ أم أن المواطن أصبح الحلقة الأضعف في معادلة لا توازن فيها بين السلطة والتنفيذ والرقابة؟
في النهاية، السؤال الجوهري يبقى معلقاً وبحدة أكبر: هل نحن أمام نموذج تدبير حضري فعّال فعلاً، أم أمام نظام يُنتج الاحتكاك أكثر مما يُنتج التنظيم؟ وهل يمكن لسياسة عمومية أن تستمر وهي تُدار في الشارع فقط، بينما تغيب عنها آليات الوساطة والتدرج والقبول الاجتماعي؟ أم أن استمرار هذا الوضع سيجعل من “الصابو” رمزاً دائماً للتوتر بدل أن يكون أداة لتنظيم المجال العمومي؟
