شركات الاتصالات: هل يعيش المستخدم فعلاً نفس المستوى الذي تروّجه الإعلانات؟

عصام سبادي

في زمنٍ تُباع فيه “السرعة” كحلمٍ مُعلّب داخل إعلانات لامعة، لم يعد المشهد الرقمي في المغرب مجرد خدمة تقنية، بل صار سؤالاً مفتوحاً عن حدود الفجوة بين ما يُقال في الحملات الإشهارية وما يُعاش فعلياً على أرض الواقع. كيف يمكن فهم هذا التناقض الصارخ بين صورٍ مثالية تُعرض على الشاشات، وواقعٍ يومي يشتكي فيه المستخدم من تقطّع الاتصال، وبطء التحميل، وانقطاع الخدمة في لحظات يُفترض أنها عادية؟ أليس من المشروع طرح سؤال جوهري: من يحدد حقيقة “الجودة”.. الإعلان أم التجربة؟

وعندما تُرفع شعارات الجيل الخامس 5G كعنوان لمرحلة “ما بعد السرعة”، تتكاثر الأسئلة أكثر مما تتبدد. هل نحن فعلاً أمام تحول تقني مكتمل الشروط، أم أمام سباق تسويقي يسبق جاهزية البنية التحتية نفسها؟ ولماذا يشعر جزء من المستخدمين أن تغيير الأرقام على شاشة الهاتف لا يعكس دائماً تغييراً مماثلاً في الأداء الفعلي للشبكة؟ أليست المفارقة لافتة حين يُروَّج لمستقبل فائق الاتصال، بينما لا يزال الحاضر يواجه مشاكل الاستقرار في لحظات الذروة داخل مناطق حضرية مكتظة؟

وفي قلب هذا المشهد، تبرز إشكالية أكثر حساسية تتعلق بطبيعة الالتزامات التجارية وحدود العبارات التسويقية الفضفاضة. ماذا يعني عملياً “صبيب يصل إلى…”؟ وهل يدرك المستهلك أن هذا الوعد قد يتحول في بعض الحالات إلى رقم نظري أكثر منه معياراً يومياً ثابتاً؟ ولماذا يبدو أن عبء إثبات ضعف الخدمة يقع غالباً على عاتق الزبون، بينما تمتلك المنظومات التقنية إمكانيات دقيقة لقياس جودة الشبكة لحظياً؟ أليست هذه المعادلة غير المتوازنة مدخلاً مشروعاً للتساؤل حول فعالية أدوات الحماية والرقابة في هذا القطاع الحيوي؟

ومع توسع الاعتماد على الإعلانات عالية الإبهار، يطفو سؤال آخر لا يقل إزعاجاً: هل أصبح التسويق يسبق الخدمة فعلاً؟ فبين صور الاتصال السلس في كل الظروف، وواقع انقطاع المكالمات أو بطء الإنترنت داخل بعض الفضاءات المأهولة، يتساءل المستخدم: أين ينتهي “الوعد الإعلاني” وأين يبدأ “الالتزام التقني”؟ وهل يمكن اعتبار التفاوت بين الاثنين مجرد أعطاب عابرة، أم أنه مؤشر على اختلال أعمق في ترتيب الأولويات بين الاستثمار في الصورة والاستثمار في الجودة؟

ولا يتوقف الأمر عند حدود الأداء التقني فقط، بل يمتد إلى علاقة الثقة بين المشترك ومقدّم الخدمة. كيف يمكن ترسيخ هذه الثقة في ظل شكايات متكررة حول ضعف التغطية أو تفاوت الصبيب، مقابل حملات تسويقية تبدو أكثر حضوراً وفاعلية من آليات معالجة تلك الشكايات نفسها؟ أليس من حق المستخدم أن يتساءل عن مدى شفافية خرائط التغطية المعلنة، ومدى مطابقتها للتجربة الميدانية في مختلف المناطق، خاصة تلك التي تعاني من هشاشة في البنية الرقمية؟

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم معلقاً دون إجابة حاسمة: هل نحن أمام قطاع يقود التحول الرقمي بالفعل، أم أمام سوق تسويقية ضخمة تتقدم فيها الصورة على الخدمة؟ إن جوهر الإشكال لا يكمن في التطور التكنولوجي ذاته، بل في الفجوة بين الوعود والواقع، بين ما يُسوّق كـ”ثورة اتصال” وما يعيشه المستخدم كاختبار يومي للصبر. وإلى أن يحدث التطابق بين الخطاب الإعلاني والتجربة الفعلية، سيظل السؤال مشروعاً ومؤرقاً: هل نشتري خدمة اتصال… أم نشتري رواية جميلة عنها؟

وهل دفعنا ثمن “الخدمة” أم دفعنا ثمن “الإشهار”؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد