حليم السريدي
«بأية حال عدت يا عيد..؟»
يعود السؤال كل سنة في المغرب مع اقتراب عيد الأضحى، لكن هذه المرة بصوت مختلف، أكثر ثقلا وواقعية، وكأن العيد لم يعد مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل اختبارا حقيقيا لقدرة الأسر على مجاراة موجة الغلاء التي لا تتوقف.
في ذاكرة المغاربة، كان اقتراب العيد يبدأ من الشارع قبل البيت. الأطفال يركضون خلف سيارات نقل البضائع والعربات المحملة بالخرفان، يراقبونها بعيون مليئة بالدهشة، ويتباهى كل واحد منهم قائلا: “كبشنا أكبر من خروفكم”، في مشهد بسيط كان يختصر فرحة كاملة لا تحتاج لكل هذا التعقيد الذي نعيشه اليوم.
كان العيد يقاس بضحكات الأطفال، برائحة التبن، وبصوت الخرفان وهي تملأ الأزقة والأحياء. أما اليوم، فقد صار يقاس عند كثير من الأسر بالأرقام والفواتير وأسعار الأسواق.
ومع افتتاح أسواق بيع الأضاحي، يعود المشهد نفسه كل سنة، لكن بملامح مختلفة. ازدحام كبير، وجولات طويلة بين “الرحبات”، وأعين تبحث عن أضحية مناسبة بسعر يمكن احتماله. هناك من يدخل السوق بنية الشراء، وهناك من يدخله فقط لمعرفة “إلى أين وصلت الأسعار”، قبل أن يغادر مثقلا بالقلق.
الغلاء لم يترك للمواطن مساحة واسعة للاختيار. فأسعار الأعلاف والنقل والتربية انعكست مباشرة على ثمن الأضاحي، بينما بقيت القدرة الشرائية لكثير من الأسر عاجزة عن اللحاق بهذا الارتفاع المتسارع. والأكثر إثارة للنقاش أن الدولة خصصت دعما لهذا القطاع، دعم يخرج في الأصل من جيب دافع الضرائب والمواطن البسيط، غير أن أثره الحقيقي لا يظهر بالشكل المنتظر داخل الأسواق. فحين تبقى الأسعار مرتفعة رغم الدعم، يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من المغاربة: ما الهدف من هذا الدعم إذا كان المواطن لا يلمس انعكاسه المباشر على ثمن الأضحية؟ وهل يصل فعلا إلى الغاية التي خُصص من أجلها، أم أنه يضيع بين حلقات المضاربة والوسطاء؟
الأصعب من كل ذلك ليس فقط ثمن الخروف، بل الإحساس الثقيل الذي يرافق الأب حين يخشى ألا يستطيع تحقيق فرحة ينتظرها أطفاله منذ أسابيع. ففي مجتمع يعتبر الأضحية جزءا من الذاكرة الجماعية والكرامة الاجتماعية، يتحول العجز عن اقتنائها عند البعض إلى عبء نفسي صامت لا تتحدث عنه الأرقام.
ومع ذلك، يبقى المغاربة أوفياء لعلاقتهم الخاصة بالعيد.
فحتى وسط الغلاء، تستمر طقوس الترقب، وتظل الأحياء تنتظر وصول الشاحنات المحملة بالأكباش، ويواصل الأطفال عدّ الأيام ببراءتهم المعتادة، وكأنهم يقاومون قسوة الواقع بالأمل وحده.
العيد في المغرب لم يعد كما كان، نعم… لكنه ما يزال يحمل شيئا من الروح القديمة.
روح البسطاء الذين يعرفون كيف يصنعون الفرح رغم التعب، وكيف يحافظون على طقوسهم الجماعية حتى في أصعب الظروف.
ولهذا، حين نسأل اليوم: “بأية حال عدت يا عيد؟”
فإننا لا نسأل عن العيد فقط، بل عن حال الناس أيضا… عن جيوب أنهكها الغلاء، وعن قلوب ما تزال تحاول حماية فرحة الأطفال مهما كان الثمن.
