حليم السريدي
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي، التي وُجدت أساسا للتواصل وتقريب المسافات بين الناس، فضاءً مفتوحاً أمام مختلف أشكال الجريمة الرقمية، من النصب والاحتيال إلى الابتزاز الإلكتروني وترويج الممنوعات، في مشهد يثير قلقا متزايدا داخل المجتمع المغربي، خاصة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى المنصات الرقمية.
وباتت صفحات وحسابات وهمية تستغل ثقة المواطنين عبر إعلانات مغرية وعروض وهمية لبيع منتجات أو تقديم خدمات بأثمنة منخفضة، قبل أن يكتشف الضحايا أنهم سقطوا في فخ النصب، بعد تحويل الأموال أو مشاركة معطياتهم الشخصية والبنكية مع جهات مجهولة تختفي مباشرة بعد تنفيذ عملياتها.
ولم تعد هذه الممارسات تقتصر فقط على الاحتيال المالي، بل تطورت لتشمل الترويج العلني للممنوعات بمختلف أنواعها، حيث تحولت بعض الحسابات إلى واجهات رقمية لبيع المخدرات والأقراص المهلوسة ومنتجات مشبوهة، عبر منشورات مباشرة أو رموز وإشارات مشفرة يفهمها المتابعون، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير هذه المضامين على فئة الشباب والقاصرين. ويثير هذا الوضع مفارقة يصفها متابعون بـ”المقلقة”، تتمثل في استمرار بعض الصفحات والحسابات المشبوهة في النشاط بشكل علني، رغم خطورة المحتوى الذي تروج له، مقابل تصاعد الحديث في المقابل عن عقوبات ومتابعات تنتظر أصحاب تدوينات أو تعليقات تعتبر “مخالفة” أو مثيرة للجدل.
ويرى مهتمون بالشأن الرقمي أن مواجهة الجريمة الإلكترونية لا ينبغي أن تقتصر فقط على مراقبة الآراء والتعليقات، بل يجب أن تمتد إلى محاربة الحسابات التي تستغل الفضاء الرقمي للإضرار بالمجتمع، سواء عبر النصب والاحتيال أو ترويج الممنوعات أو استهداف القاصرين بمحتويات خطيرة.
كما يؤكد مختصون في الأمن المعلوماتي أن المحتالين ومروجي الممنوعات باتوا يعتمدون على أساليب متطورة، من بينها الحسابات المزيفة وتطبيقات التراسل المشفر والبث المباشر، ما يجعل تعقبهم أكثر تعقيداً، ويفرض تطوير آليات الرصد والتتبع الرقمي بشكل مستمر.
وفي المغرب، تتواصل جهود المصالح الأمنية لمحاربة هذا النوع من الجرائم، من خلال تفكيك شبكات متخصصة في النصب الإلكتروني وترويج الممنوعات عبر الإنترنت، مع دعوات متزايدة إلى تشديد المراقبة الرقمية وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة التعامل مع الحسابات المجهولة أو الانسياق وراء الإعلانات والعروض المشبوهة.
ويبقى الرهان اليوم، بحسب متابعين، هو تحقيق توازن حقيقي بين حماية حرية التعبير داخل الفضاء الرقمي، والتصدي في الوقت نفسه للجرائم الإلكترونية التي تهدد أمن المواطنين وسلامتهم، في عالم افتراضي بات تأثيره يتجاوز الشاشات ليصل مباشرة إلى واقع المجتمع.
