الشرقي لبريز
دقت دراسة علمية حديثة ناقوس الخطر بشأن مستقبل المناخ بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بعدما كشفت معطيات استشرافية عن اتجاه المنطقة نحو تسجيل فترات حرارة أطول وأكثر حدة خلال العقود المقبلة، في تحول مناخي قد ينعكس بشكل مباشر على الموارد المائية والزراعة والغطاء الغابوي بالشمال المغربي.
الدراسة، التي نشرتها Arabian Journal of Geosciences الصادرة عن Springer، أنجزها باحثون مغاربة متخصصون في المناخ والمخاطر الطبيعية، واعتمدت على مقارنة المعطيات المناخية للفترة الممتدة بين 1980 و2005 مع توقعات مستقبلية تغطي مرحلة 2080 – 2100، بالاستناد إلى نماذج مناخية عالمية وإقليمية حديثة.
وأبرزت نتائج الدراسة أن جهة الشمال مرشحة لتسجيل ارتفاع ملحوظ في ما يعرف بـ“مؤشر مدة الفترات الحارة”، وهو ما يعني أن تأثيرات الاحترار المناخي لن تبقى مرتبطة فقط بفصل الصيف، بل ستشمل مختلف فصول السنة، بما فيها الربيع والخريف وحتى الشتاء.
ووفق السيناريو المتوسط للانبعاثات المناخية، تتوقع الدراسة أن ترتفع مدة الفترات الحارة خلال فصل الصيف بما يتراوح بين 30 و60 يوماً بعدد من مناطق الجهة، فيما قد تصل الزيادة خلال الربيع والخريف إلى نحو 30 يوماً بالمناطق الساحلية، مع تسجيل مدد أطول بالمناطق الداخلية والجبلية مثل وزان وشفشاون.
أما في السيناريو المرتفع للانبعاثات، الذي يفترض استمرار مستويات التلوث الحالية عالمياً، فإن الوضع يبدو أكثر خطورة، إذ قد تمتد الفترات الحارة صيفاً إلى ما بين 50 و80 يوماً، خصوصاً بالمناطق الساحلية والمنخفضة الممتدة بين العرائش وأصيلة وطنجة الكبرى.
وفي تفسيرها لهذا التفاوت، أوضحت الدراسة أن المناطق الجبلية بمرتفعات الريف ستظل أقل تأثراً نسبياً بحدة موجات الحر، بفضل عامل الارتفاع والتضاريس الطبيعية، في حين ستواجه المدن الساحلية ضغطاً مناخياً مضاعفاً بسبب ما يعرف بظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، الناتجة عن التوسع العمراني والإسمنتي وتراجع المساحات الخضراء داخل المدن.
وأكد الباحثون أن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع درجات الحرارة القياسية، بل في طول مدة التعرض المتواصل للحرارة، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات بيئية واقتصادية واسعة، من أبرزها ارتفاع معدلات تبخر المياه بالسدود، واستنزاف الفرشات المائية بفعل تزايد حاجيات السقي، إضافة إلى ارتفاع مخاطر اندلاع حرائق الغابات بمناطق الريف والشمال.
كما حذرت الدراسة من تأثير هذه التحولات على المنظومة المائية بالجهة، خاصة في ظل اعتماد مناطق واسعة على سدود استراتيجية لتأمين التزود بالماء الشروب والسقي، من بينها سد 9 أبريل وسد دار خروفة، اللذان قد يتأثران بارتفاع معدلات التبخر خلال السنوات المقبلة.
ويرى متابعون أن هذه المعطيات المناخية الجديدة تفرض على المسؤولين والفاعلين الترابيين مراجعة السياسات التنموية الحالية، عبر تسريع مشاريع التكيف المناخي، وتعزيز حلول تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، فضلاً عن توسيع المساحات الخضراء واعتماد تخطيط عمراني أكثر استدامة للحد من آثار الاحتباس الحراري داخل المدن.
