عصام سبادي
في كل دورة برلمانية تقريبا، تتجدد مشاهد التراشق السياسي والاتهامات المتبادلة بين الأغلبية والمعارضة، في صورة أصبحت مألوفة لدى الرأي العام. غير أن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه داخل النقاش العمومي ليس مرتبطاً فقط بحدة الخلافات السياسية، بل بطبيعة الأولويات نفسها: هل ما يزال البرلمان بالنسبة للمواطن فضاءً لمناقشة قضاياه اليومية، أم أن الصراع الحزبي أصبح أحياناً يطغى على النقاش المرتبط بالواقع الاجتماعي والاقتصادي؟
من الناحية الدستورية، يبقى البرلمان مؤسسة محورية في التشريع والرقابة ومناقشة السياسات العمومية، كما أن الاختلاف السياسي داخله يُعد جزءاً طبيعياً من أي ممارسة ديمقراطية. لكن داخل الشارع، يبرز أحياناً انطباع لدى فئة من المواطنين بأن بعض الجلسات تتحول إلى مواجهات سياسية وإعلامية أكثر من كونها نقاشات عملية حول مشاكل الصحة والتعليم والقدرة الشرائية والتشغيل. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يتابع المواطن النقاشات البرلمانية بحثاً عن حلول، أم فقط لمشاهدة صراع الخطابات؟
وفي ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة، يبدو أن سقف انتظارات المواطنين من المؤسسة التشريعية ارتفع بشكل كبير. فالمواطن الذي يواجه يومياً تحديات مرتبطة بغلاء المعيشة أو الخدمات الأساسية، ينتظر من البرلمان أن يكون صوتاً حقيقياً لانشغالاته. لكن عندما تطغى الحسابات السياسية أو منطق تسجيل النقاط بين الأطراف، يتولد شعور لدى البعض بأن النقاش السياسي يبتعد تدريجياً عن الأولويات الملموسة للمجتمع.
كما أن سرعة انتشار المقاطع البرلمانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تغيير نظرة جزء من الرأي العام إلى العمل البرلماني. فبدل التركيز على مضمون التشريعات أو تفاصيل الرقابة على السياسات العمومية، تتحول بعض اللحظات المثيرة أو التصريحات الحادة إلى مادة للتداول الواسع، ما يطرح تساؤلات إضافية: هل أصبح جزء من الخطاب البرلماني موجهاً للرأي العام الرقمي أكثر من كونه موجهاً لإنتاج حلول فعلية؟ وهل أثرت “ثقافة المشاهد القصيرة” على طبيعة النقاش داخل المؤسسة التشريعية؟
وفي المقابل، لا يمكن اختزال المؤسسة البرلمانية في بعض المشاهد المثيرة للجدل، لأن عمل اللجان والتشريع والرقابة يتضمن أيضاً ملفات تقنية ونقاشات قد لا تحظى بنفس الاهتمام الإعلامي. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة البرلمان على استعادة ثقة المواطن، ليس فقط عبر الخطابات، بل عبر الإحساس بأن القضايا التي تؤثر على الحياة اليومية تحظى بالأولوية داخل النقاش العمومي.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر برفض الاختلاف السياسي أو الصراع الديمقراطي، فذلك جزء طبيعي من أي مؤسسة تشريعية، بل بالسؤال حول التوازن: متى يكون الخلاف السياسي وسيلة لخدمة المواطن، ومتى يتحول في نظر الرأي العام إلى مشهد يطغى على جوهر الدور الحقيقي للبرلمان؟ وبين هذين التصورين، تستمر واحدة من أكثر القضايا حضوراً في علاقة المواطن بالمؤسسات المنتخبة.
