تصاعد الجدل تحت قبة البرلمان من جديد حول فوضى سوق الحبوب بالمغرب، بعدما وجه نواب انتقادات حادة لما اعتبروه استمرار تحكم الوسطاء والمضاربين في مسالك بيع القمح، في وقت يجد فيه الفلاح نفسه الحلقة الأضعف داخل منظومة يفترض أنها وضعت لحمايته ودعم محصوله.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة امس الإثنين 18 ماي 2026 بمجلس النواب، عبر برلمانيون عن استيائهم من ما وصفوه بغياب رقابة فعلية على سوق الحبوب، مؤكدين أن الأسعار التي يفرضها بعض الوسطاء والمطاحن تبقى بعيدة عن الثمن المرجعي الذي أعلنت عنه الحكومة لدعم المنتوج الوطني.
وانتقد سعيد التدلاوي، النائب عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، طريقة تدبير هذا الملف، معتبرا أن سنوات من البرامج الفلاحية والدعم العمومي لم تحقق النتائج المنتظرة على مستوى تحسين مردودية إنتاج الحبوب، رغم حجم الأموال التي ضخت في القطاع.
وأوضح المتحدث أن المعطيات الرسمية تكشف تحسنا محدودا في الإنتاجية، مشيرا إلى أن الزيادة المسجلة في مردودية الهكتار تبقى ضعيفة مقارنة بما تم الترويج له منذ إطلاق مخطط المغرب الأخضر.
كما أثار ملف الدعم الموجه للمطاحن، خاصة ما يتعلق بمنحة التخزين، متسائلا عن الجهات التي تراقب مدى احترام المؤسسات المعنية لالتزاماتها تجاه الفلاحين، معتبرا أن غياب آليات مستقلة للمراقبة فتح الباب أمام تجاوزات واختلالات في السوق.
وأشار إلى أن عددا من الفلاحين يضطرون لبيع محاصيلهم بأثمان منخفضة لا تتجاوز أحيانا درهما و25 سنتيما للكيلوغرام، رغم تحديد سعر مرجعي رسمي يصل إلى 280 درهما للقنطار، مبرزا أن ضعف إمكانيات التخزين والخوف من تلف المحصول يدفعان المنتجين إلى القبول بخسائر كبيرة.
ودعا النائب البرلماني وزير الفلاحة إلى النزول للميدان وزيارة مناطق الحصاد للاطلاع على الأسعار الحقيقية المتداولة، بدل الاكتفاء بالأرقام والتقارير الرسمية.
من جهته، طالب محمد مهدب، النائب عن حزب الأصالة والمعاصرة، بإجراءات استعجالية لفائدة الفلاحين الذين أنهكتهم سنوات الجفاف المتتالية، خاصة بالمناطق البورية التي تعتمد بشكل أساسي على الأمطار.
وأكد أن عددا كبيرا من المنتجين يعيشون تحت ضغط الديون وارتفاع تكاليف الإنتاج، داعيا إلى إعادة جدولة القروض وتخفيف نسب الفائدة المفروضة على الفلاحين المتضررين.
أما رشيد بوكطاية، فقد سلط الضوء على الأوضاع الصعبة التي يعيشها منتجو الحبوب بعدد من المناطق المعروفة بإنتاج القمح، من بينها عبدة وأحمر وبنجرير وقلعة السراغنة، مشيرا إلى أن العديد منهم يبيعون محاصيلهم بأثمنة متدنية لا تعكس السعر الذي أعلنت عنه الحكومة.
واعتبر أن استمرار هذه الوضعية يكشف اختلالات عميقة داخل منظومة التسويق، محملا الوسطاء والمضاربين جزءا كبيرا من المسؤولية، ومطالبا بتشديد المراقبة وفرض عقوبات صارمة على المتلاعبين بالأسعار.
كما شدد على ضرورة تعزيز قدرات تخزين الحبوب بالمغرب، معتبرا أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل تحول إلى قضية استراتيجية تفرض بناء مخزون وطني قادر على مواجهة الأزمات الدولية والتقلبات المناخية.
في المقابل، دافع وزير الفلاحة أحمد البواري عن التدابير التي اتخذتها الحكومة خلال الموسم الحالي، مؤكدا أن حماية الفلاح تبقى ضمن أولوياتها، وأن الهدف من الإجراءات المعلنة هو ضمان تسويق المحاصيل في ظروف تحفظ كرامة المنتجين وتوفر لهم دخلا مستقرا.
وأوضح الوزير أن الحكومة حددت السعر المرجعي للقمح اللين في 280 درهما للقنطار، مع إلزام المهنيين باقتناء ما بين 20 و30 مليون قنطار من الإنتاج الوطني، إضافة إلى وقف الاستيراد مؤقتا لإعطاء الأولوية للمنتوج المحلي.
وكشف أيضا عن توجه لإحداث مخزون استراتيجي من الحبوب يكفي لمدة ستة أشهر، في إطار خطة تروم تعزيز السيادة الغذائية وتقليص هشاشة السوق الوطنية أمام الاضطرابات الخارجية.
وأكد المسؤول الحكومي أن التساقطات المطرية المسجلة إلى حدود 13 ماي 2026 ساهمت في إنعاش الموسم الفلاحي، مشيرا إلى أن إنتاج الحبوب يرتقب أن يصل إلى نحو 90 مليون قنطار، أي ضعف ما تم تسجيله خلال الموسم الماضي.
ويعيد هذا الجدل المتواصل طرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية آليات ضبط الأسواق، ومدى قدرة الحكومة على حماية الفلاحين من تحكم الوسطاء والمضاربين، في وقت تراهن فيه السلطات على موسم فلاحي قوي لإنعاش الاقتصاد وتحسين التوازنات الغذائية بالمملكة.
