عصام سبادي
لم تعد الأزمات الاقتصادية بالنسبة للمواطن مجرد أرقام تُناقش في التقارير أو المؤشرات الرسمية، بل تحولت إلى واقع يومي ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة البسيطة: أسعار المواد الأساسية، تكاليف النقل، فواتير الخدمات، وفرص الشغل. ومع كل ضغط اقتصادي جديد، لا تتجه الأنظار فقط نحو الأسواق أو الظروف الدولية، بل تمتد أيضاً إلى الفاعل السياسي، باعتباره الطرف الذي ينتظر منه المواطن التفاعل، التوضيح، واتخاذ القرار.
في السنوات الأخيرة، بدا واضحاً أن العلاقة بين المواطن والخطاب السياسي أصبحت أكثر حساسية تجاه الوضع الاقتصادي. فحين ترتفع تكاليف المعيشة أو يتراجع الإحساس بالاستقرار الاجتماعي، يتغير تلقائياً سقف انتظارات الشارع من السياسيين والمؤسسات. المواطن لم يعد يكتفي بالشعارات العامة أو الوعود بعيدة المدى، بل أصبح يبحث عن أثر ملموس وسريع يشعر به في حياته اليومية. وهنا بدأ يتشكل سؤال متكرر داخل النقاش العمومي: هل الخطاب السياسي يواكب فعلاً حجم الضغط الذي يعيشه المواطن؟
كما أن الأزمات الاقتصادية ساهمت في إعادة تشكيل طريقة تقييم المواطن للفاعل السياسي نفسه. ففي السابق، كان النقاش السياسي يرتبط أكثر بالانتماءات الحزبية أو الاصطفافات الإيديولوجية، أما اليوم فأصبح جزء كبير من الرأي العام يقيس الأمور من زاوية القدرة على التدبير والاستجابة للواقع المعيشي. فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحفاظ على قدرته الشرائية، ينظر إلى السياسة من منظور النتائج لا من منظور الخطابات.
ومن جهة أخرى، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تسريع هذا التحول. فكل قرار اقتصادي أو تصريح سياسي مرتبط بالمعيش اليومي أصبح يخضع فوراً للنقاش والتقييم والتفاعل الواسع. وهو ما جعل الفاعل السياسي تحت ضغط مستمر، ليس فقط لاتخاذ القرار، بل أيضاً لتفسيره وإقناع الرأي العام بجدواه. وفي هذا السياق، أصبح أي تأخر في التواصل أو أي فجوة بين الخطاب والواقع قادراً على خلق موجة انتقاد واسعة خلال وقت قصير.
لكن رغم هذا التحول، لا يمكن اختزال نظرة المواطن إلى السياسة فقط في الجانب الاقتصادي، لأن الثقة العامة تبقى مرتبطة أيضاً بالإحساس بالإنصات والوضوح والقدرة على تحمل المسؤولية. غير أن الواقع الاقتصادي يظل العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل المزاج العام، لأنه يمس الحياة اليومية بشكل مباشر. فالمواطن قد يتفهم وجود أزمات دولية أو تحديات معقدة، لكنه ينتظر في المقابل أن يشعر بأن صوته حاضر داخل النقاش، وأن انشغالاته ليست مجرد أرقام داخل التقارير.
وفي النهاية، يبدو أن الأزمات الاقتصادية لم تغيّر فقط الظروف المعيشية، بل غيّرت أيضاً طريقة نظر المواطن إلى الفاعل السياسي نفسه. فكلما ارتفع الضغط الاقتصادي، ارتفعت معه حساسية الشارع تجاه الخطاب السياسي، وأصبح المواطن أكثر ميلاً لقياس السياسة بما يراه في واقعه اليومي، لا بما يسمعه في التصريحات والوعود.
تعليقات الزوار
إحصائيات الموقع
-
زوار الموقعSite--K
-
فايسبوكFacebook188K
-
تويترTwitter--K
-
يوتوبYoutube58.8K
-
انستغرامInstagrame73.7K
-
تيكتوكTikTok79.6K
