اختزال مراكش في “الطنجية”.. تسويق سياحي أم إفراغ للهوية؟
حليم السريدي
رغم ما تختزنه مدينة مراكش من تاريخ عريق وتنوع ثقافي وحضاري غني، ما تزال صورة “المدينة الحمراء” تُقدَّم في كثير من المناسبات والمواد الترويجية بشكل نمطي ومختزل، يربط هويتها فقط بـ”الطنجية” و”الدقة المراكشية”، وكأن المدينة التي راكمت قروناً من التاريخ والإبداع لا تختزن سوى طبق تقليدي وإيقاعات شعبية.
هذا الاختزال، الذي يتكرر في عدد من التظاهرات الفنية والسياحية وحتى في بعض الخطابات الإعلامية، يثير تساؤلات حول الطريقة التي يتم بها تسويق مراكش ثقافياً، وحول الجهات التي تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في حصر المدينة داخل قوالب فولكلورية ضيقة، تغيب عنها أبعادها الفكرية والعلمية والمعمارية والإنسانية.
فمراكش ليست فقط “طنجية” تُطهى على الجمر، ولا مجرد حلقات “الدقة” التي ترافق الأعراس والاحتفالات الشعبية، بل هي مدينة أسسها يوسف بن تاشفين، واحتضنت مدارس علمية وزوايا ومكتبات، وخرج من رحمها علماء وفقهاء ومتصوفة وشعراء وفنانون ومفكرون تركوا بصمتهم في التاريخ المغربي والأندلسي والإفريقي.
كما أن المدينة تزخر بتراث معماري استثنائي، من أسوارها التاريخية ومساجدها العتيقة وحدائقها وقصورها وأسواقها التقليدية، إلى فنون الصناعة التقليدية التي تتجاوز بكثير الصورة الاستهلاكية التي يتم تسويقها للسياح. فالزليج والنقش على الجبص والزواق والنحاس والخشب المنقوش وفن العمارة المراكشية كلها عناصر تشكل روح المدينة وهويتها العميقة.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يكمن في الاحتفاء بالطنجية أو الدقة المراكشية باعتبارهما جزءاً من الموروث المحلي، بل في تحويلهما إلى الواجهة الوحيدة لمراكش، بشكل يُفرغ المدينة من عمقها الحضاري والثقافي، ويجعلها تبدو وكأنها مجرد فضاء للفرجة والاستهلاك السياحي السريع.
ويؤكد مهتمون بالشأن الثقافي أن هذا التقديم السطحي ينعكس حتى على بعض المهرجانات والأنشطة الرسمية، التي تكرر نفس الصور والعروض والرموز، دون اجتهاد حقيقي لإبراز التنوع الثقافي والفني والفكري الذي تزخر به المدينة، أو فتح المجال أمام طاقات إبداعية جديدة تعكس الوجه المتعدد لمراكش.
كما يطرح هذا النقاش إشكالية أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع المدن المغربية ذات الحمولة التاريخية، وهل المطلوب هو تسويق صورة سهلة وسريعة للاستهلاك السياحي، أم بناء تصور ثقافي متوازن يحترم ذاكرة المدينة ويقدمها كفضاء حي للإبداع والتاريخ والفكر.
إن مراكش، التي كانت عبر التاريخ ملتقى للحضارات والقوافل والعلماء والفنانين، أكبر بكثير من أن تُختزل في طبق أو إيقاع شعبي، لأنها مدينة تحمل داخل تفاصيلها ذاكرة وطن، وتنوع ثقافة، وعمق حضارة لا يمكن اختصاره في صورة فولكلورية عابرة.
