من يتحمل مسؤولية الأرواح التي سقطت تحت أنقاض مبانٍ كانت مهددة بالانهيار؟

عصام سبادي
لم يعد مشهد انهيار المنازل بمدينة فاس مجرد حادث معزول يمكن التعامل معه بلغة “القضاء والقدر”، بل تحول إلى جرس إنذار حقيقي يكشف حجم الاختلالات المتراكمة في تدبير ملف البنايات الآيلة للسقوط، خاصة بالأحياء الشعبية القديمة التي تعيش فوق قنابل إسمنتية موقوتة. فاجعة عين النقبي أعادت إلى الواجهة سؤالا مؤلما: كم من الأرواح يجب أن تُدفن تحت الأنقاض حتى يتحول التحذير إلى قرار حاسم؟
ورغم التحركات الميدانية التي باشرتها عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية بعد الانهيار، إلا أن النقاش الحقيقي يتجاوز لحظة التدخل بعد الكارثة، ليفتح باب المساءلة حول ما قبل الانهيار. فالتقارير التي تتحدث منذ سنوات عن هشاشة عدد كبير من المباني بالمنطقة، والاجتماعات المتكررة حول الدور المهددة بالسقوط، تجعل الرأي العام يتساءل: هل كانت هناك مراقبة فعلية ومستمرة؟ وهل تم التعامل بالجدية المطلوبة مع المؤشرات التي كانت تنذر بوقوع الكارثة؟
الخطير في الأمر أن الحديث عن تصنيف عشرات المباني ضمن درجات الخطر الأولى والثانية والثالثة، يقابله بطء واضح في تنزيل الحلول على أرض الواقع. فبين تقارير الخبرة، وتعقيدات المساطر، وضعف الإمكانيات، يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف، يعيش يوميا تحت سقوف متشققة وجدران منهكة، بينما تتحول التحذيرات إلى وثائق إدارية لا تمنع انهيارا ولا تحمي أسرة من الموت المفاجئ.
كما يفرض هذا الحادث إعادة فتح ملف الغش في البناء والتوسع العمراني غير المراقب، سواء تعلق الأمر ببنايات قديمة لم تخضع للصيانة والترميم، أو بإصلاحات عشوائية تتم أحيانا دون احترام المعايير التقنية والهندسية. فبعض المباني تتحول مع مرور السنوات إلى هياكل هشة بسبب الإهمال، والتدخلات غير القانونية، وغياب الصرامة في المراقبة، ما يجعل أي تساقطات أو اهتزازات بسيطة كافية لتحويلها إلى ركام.
وتبقى مسؤولية المراقبة من أكثر النقاط حساسية في هذا النوع من الكوارث. فحين تكون السلطات على علم بوجود خطر حقيقي، يصبح التساؤل مشروعا حول فعالية آليات التتبع والإخلاء والزجر. كما أن تحميل المواطن وحده مسؤولية رفض مغادرة منزله لا يكفي، لأن الملف يرتبط أيضا بواقع اجتماعي صعب، حيث تجد أسر كثيرة نفسها مضطرة للاختيار بين خطر الانهيار أو التشرد، في ظل محدودية البدائل السكنية وتعقد مساطر الاستفادة من برامج إعادة الإيواء.
فاجعة عين النقبي ليست مجرد حادث عمراني عابر، بل صورة صادمة لملف ظل لسنوات يُؤجل بدل أن يُعالج جذريا. وما وقع اليوم يجب أن يدفع نحو مراجعة شاملة لسياسات مراقبة البنايات الآيلة للسقوط، وتسريع التدخلات الاستباقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما ثبت وجود تقصير أو استهانة بخطورة الوضع. لأن حماية الأرواح لا ينبغي أن تبدأ بعد سقوط الجدران، بل قبل أن تتحول التشققات الصغيرة إلى مآسٍ كبيرة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد