عصام سبادي
في كل مرة يُطرح فيها موضوع الكلاب الضالة التي أصبحت تجوب الأحياء والشوارع والأزقة، وتزرع الخوف وسط الأطفال والنساء والمسنين، تخرج فئة معروفة بأسلوبها الهجومي المعتاد، لا لتقديم حلول أو مبادرات أو مقترحات واقعية، بل فقط لإغراق مواقع التواصل بالتعليقات النارية والشتائم والاتهامات الجاهزة لكل من تحدث عن الخطر الحقيقي الذي بات يهدد سلامة المواطنين. وكأن مجرد الحديث عن هجمات الكلاب الضالة أصبح “جريمة” عند البعض، رغم أن الضحايا يسقطون كل فترة، ورغم أن الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية في عدد من المناطق.
الغريب أن هذه الفئة تقدم نفسها كمدافع شرس عن “الرفق بالحيوان”، لكنها في الواقع لا تتحرك إلا خلف الشاشات. لا حملات ميدانية، لا مبادرات لإيواء الكلاب، لا ضغط حقيقي على الجماعات والمسؤولين لبناء مراكز متخصصة، لا مساهمات في التعقيم أو التلقيح أو الرعاية، فقط تعليقات وصراخ واتهامات لكل من يطالب بحماية المواطنين. يدافعون عن الكلاب بالكلام، لكنهم يتركون المواطن يواجه مصيره وحيداً في الشارع، ويتركون الكلاب نفسها تتخبط وسط الجوع والمرض والخطر.
المشكلة اليوم لم تعد في وجود الكلاب الضالة فقط، بل في النفاق الذي يحيط بالنقاش. فالبعض يريد تحويل أي حديث عن الأمن والسلامة إلى معركة عاطفية فارغة، وكأن حماية الإنسان تتعارض مع حماية الحيوان. والحقيقة أن الدول التي تحترم نفسها لا تترك مواطنيها يعيشون تحت تهديد القطعان الشرسة، وفي الوقت نفسه لا تتعامل مع الحيوانات بعشوائية، بل تعتمد حلولاً متوازنة: مراكز إيواء، تعقيم، تلقيح، مراقبة، وتدخلات منظمة. أما عندنا، فهناك من يكتفي بدور “البطل الإلكتروني” الذي يهاجم الجميع ثم يختفي دون أن يضع حجراً واحداً في طريق الحل.
من السهل كتابة تعليق غاضب من داخل المنزل، ومن السهل اتهام الناس بالقسوة، لكن الأصعب هو النزول إلى الميدان وتحمل جزء من المسؤولية. لماذا لا نرى هؤلاء المدافعين ينظمون حملات حقيقية؟ لماذا لا يفتحون باب التطوع لإيواء الكلاب أو علاجها؟ لماذا لا يطالبون بميزانيات ومراكز متخصصة بدل الاكتفاء بالمزايدات الأخلاقية على مواقع التواصل؟ لأن بعض الأصوات لا تريد الحل أصلاً، بل تريد فقط الظهور والضجيج واحتكار “الفضيلة” في التعليقات.
الواقع واضح ولا يحتاج إلى مزايدات: المواطن له الحق في الأمن داخل الشارع، والطفل له الحق في الذهاب إلى المدرسة دون خوف، وفي المقابل الحيوان أيضاً يستحق المعاملة الإنسانية والحلول الحضارية. أما تحويل النقاش إلى سيل من السب والشتم والتخوين، فلن يحل الأزمة ولن يحمي لا الإنسان ولا الحيوان. معضلة الكلاب الضالة تحتاج إلى عقلانية، لا إلى بطولات وهمية تُمارس من خلف الهواتف، وتحتاج إلى من يتحرك فعلاً، لا إلى من يكتفي بالصراخ كلما فُتح الملف.
