ما الذي يحكم اليوم اختيار البرامج في التلفزة المغربية؟
بين اعتبارات نسب المشاهدة ومتطلبات الخدمة العمومية
عصام سبادي
في كل دورة برمجية جديدة، يطرح سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يفتح في العمق نقاشاً واسعاً حول منطق الاختيار داخل التلفزة المغربية: ما الذي يحكم فعلاً عملية انتقاء البرامج وتوزيعها على خريطة البث؟ هل هي اعتبارات مرتبطة أساساً بنسب المشاهدة ومتطلبات المنافسة، أم أن هناك رؤية برمجية شاملة تستحضر في الوقت نفسه وظيفة الإعلام العمومي وأدواره المتعددة؟
هذا السؤال لا يُطرح من باب الاعتراض بقدر ما يُطرح من باب الفهم. فالمشاهد اليوم يجد نفسه أمام عرض تلفزيوني متنوع من حيث الشكل، لكنه يثير تساؤلات حول طبيعة التوازن الداخلي بين أنماط البرامج المختلفة. فبين البرامج الترفيهية ذات الإيقاع السريع، والبرامج الحوارية التي تلامس قضايا آنية، تبرز الحاجة إلى فهم موقع البرامج التي تعتمد على التروّي في المعالجة وتقديم المضامين العميقة، وكيف يتم إدماجها داخل هذا الإيقاع المتسارع.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل آخر مرتبط بطريقة بناء الخريطة البرامجية نفسها: هل تعتمد القنوات التلفزية على معايير واضحة ومعلنة في توزيع الحصص الزمنية بين مختلف الأنماط، أم أن الأمر يخضع لتقديرات تتغير حسب الموسم والظرفية وتوجهات الجمهور؟ فالتجربة التلفزيونية، في كثير من الأحيان، تعكس توازناً دقيقاً بين ما يطلبه الجمهور وما يفترض أن تقدمه وسائل الإعلام من محتوى متنوع يراعي مختلف الفئات والاهتمامات.
كما يطرح النقاش أيضاً مسألة العلاقة بين الخدمة العمومية ومنطق المنافسة. فهل يمكن الجمع بشكل متوازن بين ضرورة تحقيق نسب مشاهدة مرضية، وبين الحفاظ على دور تثقيفي وتوجيهي يميز الإعلام العمومي عن باقي المنصات الترفيهية الأخرى؟ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً في ظل التحولات الرقمية التي غيرت عادات الاستهلاك الإعلامي، ورفعت من سقف التوقعات لدى الجمهور، وأعادت تعريف مفهوم “النجاح الإعلامي” ذاته.
ومن زاوية أخرى، يمكن التساؤل حول مدى حضور الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى في بناء البرمجة، مقابل تأثير الإيقاع اليومي واللحظي في اتخاذ بعض القرارات. فهل يتم النظر إلى الخريطة البرامجية كمنظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن والتنوع والاستمرارية، أم أنها تتشكل تدريجياً تحت ضغط التفاعل المباشر مع نسب المتابعة وردود فعل الجمهور؟
في النهاية، يبدو أن سؤال “ما الذي يحكم اختيار البرامج؟” ليس مجرد سؤال تقني، بل هو مدخل لفهم أعمق لطبيعة التحولات التي يعرفها المشهد التلفزيوني المغربي اليوم. وبين منطق الطلب الجماهيري ومتطلبات الخدمة العمومية، يبقى الرهان الحقيقي هو القدرة على الحفاظ على توازن دقيق يضمن تنوع العرض، دون أن يفقد التلفزيون هويته كوسيلة إعلامية مسؤولة وشاملة.
