حليم السريدي
بينما يعيش المغاربة أجواء عيد الأضحى بما تحمله من فرحة وصلة رحم وطقوس اجتماعية متوارثة، يخوض رجال النظافة سباقاً شاقاً مع الزمن من أجل الحفاظ على نظافة المدن والأحياء، في واحدة من أصعب الفترات التي تمر عليهم طوال السنة.
فمنذ الساعات الأولى لصباح العيد، تنطلق رحلة المعاناة مع مخلفات الأكباش التي تغزو الحاويات والأزقة والشوارع. جلود، أحشاء، عظام، أكياس بلاستيكية وروائح قوية تجعل مهمة عمال النظافة مضاعفة مقارنة بالأيام العادية.
وفي الوقت الذي تجتمع فيه العائلات حول موائد العيد، يكون هؤلاء العمال وسط أكوام النفايات، يواجهون حرارة الطقس وثقل المخلفات في مشهد يكشف حجم التضحيات التي يقدمونها بصمت.
لكن ما إن تنتهي المهمة الأولى حتى تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيداً ، حيث تتحول الأزقة في عدد من الأحياء إلى فضاءات لشواء رؤوس الأغنام، وهي طقوس أصبحت بالنسبة لبعض الشباب نشاطاً موسمياً يوفر لهم مدخولاً إضافياً، مقابل إعداد مواقد الشواء وتهيئة الرؤوس للأسر الراغبة في هذه الخدمة.
ورغم الجانب الاجتماعي والمعيشي لهذه الظاهرة، إلا أنها تترك وراءها كميات كبيرة من الرماد وبقايا الفحم والحطب والمحروقات، إضافة إلى الروائح والدخان الذي يغطي عدداً من الأحياء الشعبية.
وإلى ساعات متأخرة من يوم العيد، يواصل رجال النظافة عملهم وسط أكوام المخلفات، قبل أن يجدوا أنفسهم مع حلول ثاني أيام العيد أمام مشهد مختلف عنوانه رماد الشواء وبقايا “الشواطة”: أكوام سوداء من الرماد، بقايا نيران لم تنطفئ بالكامل، وأوساخ متناثرة تحتاج جهداً مضاعفاً لإزالتها وإعادة الشوارع إلى وضعها الطبيعي.
المفارقة أن كثيرين يستمتعون بأجواء “الشواطة” دون التفكير في من سيأتي بعدهم لجمع تلك البقايا وتنظيف آثارها. فبين مخلفات الذبح في اليوم الأول، ومخلفات الشواء في اليوم الثاني، يعيش رجال النظافة عيداً من نوع آخر، عنوانه العمل المتواصل والتعب المضاعف.
ورغم كل هذه الظروف، يواصل هؤلاء العمال أداء مهامهم بإحساس عالٍ بالمسؤولية، حفاظاً على الصحة العامة وعلى صورة المدن خلال هذه المناسبة الدينية.
لذلك، يبقى احترام الفضاء العام والتخلص السليم من النفايات أقل ما يمكن القيام به تقديراً لفئة تشتغل في الظل، حتى يمر العيد في ظروف نظيفة وآمنة للجميع.
