رغم استمرار العجز التجاري في المغرب منذ عقود، فإن المؤشرات الماكرو-اقتصادية تُظهر قدرة لافتة على الحفاظ على التوازنات الخارجية دون الوقوع في أزمات حادة لسعر الصرف أو اللجوء الاضطراري إلى مؤسسات التمويل الدولية، وهو ما يجعل بعض التحليلات تصفه بوضع استثنائي نسبي داخل الاقتصادات الناشئة، خاصة بالنظر إلى حجم الاختلال المزمن في الميزان التجاري.
ويُفسَّر هذا الوضع أساسا بخيار الانفتاح الاقتصادي الذي تبناه المغرب منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، من خلال الانخراط في منظومة التجارة العالمية وتوقيع اتفاقيات تبادل حر متعددة، إلى جانب سياسات تحرير تدريجي للتجارة وبرامج الخوصصة. وقد ساهم هذا التوجه في تسريع اندماج الاقتصاد الوطني في السوق العالمية، لكن بوتيرة تفوق تطور القاعدة الإنتاجية الموجهة للتصدير، ما أدى إلى ارتفاع الواردات بشكل أسرع من الصادرات، بل وبمعدل يفوق نمو الاقتصاد نفسه في بعض الفترات. كما أن هذا الانفتاح جاء قبل اكتمال بناء قاعدة تصديرية قادرة على موازنة تدفقات الاستيراد، ما عمّق الفجوة التجارية بشكل بنيوي.
وتبرز التبعية الطاقية كعامل رئيسي ثانٍ في تفسير هذا العجز، حيث يعتمد المغرب بشكل شبه كامل على استيراد المحروقات لتلبية حاجياته من الطاقة، وهو ما يجعل فاتورة الطاقة تشكل جزءا كبيرا من العجز التجاري، إضافة إلى تأثرها المباشر بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. كما يرتبط الأمر بنموذج النمو الاقتصادي نفسه، الذي يقوم على تحفيز الطلب الداخلي والاستثمار، ما يؤدي تلقائيا إلى ارتفاع الواردات، لأن جزءا مهما من هذا الطلب يتم تلبيته من الخارج بدل الإنتاج المحلي.
ورغم هذه الضغوط، يتمكن الاقتصاد المغربي من امتصاص أثر العجز عبر مجموعة من الآليات الموازنة داخل ميزان المدفوعات، في مقدمتها عائدات القطاع السياحي التي تشكل مصدرا مهما للعملة الصعبة وتساهم في دعم التوازنات الخارجية في الظروف العادية، رغم حساسيتها العالية للصدمات كما حدث خلال جائحة كوفيد-19 حين تراجعت بشكل ملحوظ.
كما تلعب تحويلات مغاربة العالم دورا محوريا في تعزيز هذا التوازن، إذ تُعد من أهم مصادر العملة الصعبة وأكثرها استقرارا، بل وتميل إلى الارتفاع خلال فترات الأزمات، مدفوعة بعوامل اجتماعية وروابط قوية مع البلد الأم، وهو ما ظهر بوضوح خلال أزمات صحية وكوارث طبيعية سابقة. وتساهم هذه التحويلات، إلى جانب عائدات السياحة، في تقليص أثر العجز التجاري بشكل كبير وتحويله إلى عجز محدود في الحساب الجاري يمكن التحكم فيه.
ويُضاف إلى ذلك دور الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي توفر تدفقات مالية مستقرة نسبيا تسهم في سد جزء من الفجوة الخارجية، بينما تلجأ الدولة في حالات العجز المتبقي إلى الأسواق المالية الدولية عبر الاقتراض الخارجي لضمان استمرار التوازن النقدي والمالي والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
