شرف إشهان
لم يكن المشهد العادي في أرصفة ميناء المرسى بالعيون ليوحي بأن هدوء الفجر سيتلاشى فجأة على وقع محاولة سرقة مركب لصيد السردين، حادثة معزولة في تفاصيلها، لكنها كانت كافية لتتحول إلى نقطة تحول حاسمة أعادت ترتيب الأولويات الأمنية والتنظيمية في أحد أكبر الشرايين الاقتصادية بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
هذا الحراك الاستنفاري، الذي تلا الواقعة مباشرة، لم يقف عند حدود التحقيق في ملابساتها، بل امتد سريعا ليشمل مراجعة شاملة لآليات تدبير هذا المرفق الحيوي، تجسدت في حزمة إجراءات صارمة من شأنها تغيير ملامح النشاط اليومي داخل الميناء خلال القادم من الأيام.
في عمق هذا المشهد المتسارع، وفي الوقت الذي بدأت فيه السلطات المينائية تنزيل خلاصات اجتماع رفيع المستوى عقد بتعليمات مباشرة من والي جهة العيون – الساقية الحمراء، بدت ردود الأفعال في صفوف المهنيين ومرتادي الميناء منقسمة بين الترحيب والتوجس، إذ يرى المدافعون عن هذه الخطوات أنها صمام أمان طال انتظاره للحد من “الظواهر السلبية” وتطهير المرفق من الفوضى، بينما يطرح آخرون، لاسيما ممتهنو الأنشطة الموازية المرتبطة بقطاع الصيد البحري، علامات استفهام مقلقة حول الطريقة التي سيتم بها التعامل مع وضعياتهم الاجتماعية، محذرين من أي مقاربة قد تقصيهم، مع تشديدهم في الآن ذاته على ضرورة فرض القانون على الجميع دون استثناء أو مزايدات.
الخطة الجديدة التي تقودها الوكالة الوطنية للموانئ بتنسيق وثيق مع الفاعلين المهنيين، جعلت من البوابة الرئيسية لمدخل الميناء خط الدفاع الأول، حيث سيتم تفعيل نظام صارم لبطاقات الولوج المسلمة حصريا من مصالح الوكالة، بناءً على طبيعة عمل المستفيد، لتشمل كافة العاملين دون استثناء، في خطوة تهدف إلى تيسير العبور وتجاوز العقبات التنظيمية السابقة.
ولم تقف هندسة المراقبة عند العنصر البشري فحسب، بل امتدت لتشمل الشاحنات والسيارات المتخصصة في شحن الأسماك، والتي باتت ملزمة بتقديم وصل الشحن كشرط أساسي لولوج مربعات الصيد، وهو الإجراء الذي يراه المتتبعون للشأن البحري بالمنطقة نقلة نوعية نحو تعزيز نجاعة المراقبة وتجفيف منابع التهريب والأنشطة غير المهيكلة.
هذا الحزم التنظيمي يعيد إلى الواجهة الطموح المعلن للسلطات المينائية بالعيون، والتي تسارع الزمن لتعزيز المكانة الريادية للميناء ورفع جودة الخدمات المقدمة فيه، واضعة الرهان الأمني في قلب أي إقلاع اقتصادي منشود.
وهكذا، تنطلق التدابير الجديدة من خلفية أمنية فرضتها واقعة السرقة الفاشلة، لتصب في مجرى استراتيجية أوسع تتطلع إلى تحويل الميناء من مجرد نقطة تفريغ وشحن، إلى بيئة اقتصادية منظمة وآمنة، يمتثل فيها الجميع لسلطة القانون، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام الأولى للتطبيق الفعلي على أرض الواقع وسط ترقب المهنيين ومواكبة السلطات الرسمية.
