الأداء الإلكتروني بالمغرب: بين طموح التحول الرقمي وإكراهات الواقع التجاري

عصام سبادي

في الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على تسريع الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي وتقليص الاعتماد على النقد، يطفو إلى السطح نقاش حاد حول كلفة هذا التحول، وحدود قدرته على استيعاب واقع اقتصادي تغلب عليه هشاشة التجار الصغار والمتوسطين، أكثر من كونه قطاعاً مهيكلاً بالكامل قادراً على مواكبة نفس الوتيرة.

تصريحات وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، أمام البرلمان، جاءت لتؤكد وجود إرادة رسمية لدعم الأداء الإلكتروني وتوسيع قاعدة استخدامه، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام أسئلة أعمق من مجرد “التشجيع على الرقمنة”: من يتحمل فعلياً كلفة هذا التحول؟ وهل يمكن فرض إيقاع رقمي موحد على فئات اقتصادية متفاوتة القدرة والإمكانيات؟

فالاعتراف بوجود “تحديات ميدانية ملموسة” لدى التجار الصغار والمتوسطين يطرح سؤالاً مركزياً: إذا كانت هذه الفئة هي العمود الفقري للتجارة الداخلية، فهل يكفي الحديث عن دعم جزئي أو كلي لتجاوز كلفة التجهيزات، أم أن الأمر يتعلق بإعادة صياغة شاملة لمنطق الانتقال الرقمي نفسه؟

ثم هناك نقطة أكثر حساسية، تتعلق بالرسوم والعمولات المفروضة على الأداء الإلكتروني. صحيح أن الخطاب الرسمي يؤكد أنه “لا يمكن للتجار تحميل هذه المصاريف للزبناء”، لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيداً من مجرد قاعدة قانونية. فهل يتم فعلاً امتصاص هذه التكاليف داخل هوامش الربح؟ أم أنها تنعكس بشكل غير مباشر على الأسعار وجودة الخدمات؟ وأين ينتهي الفصل بين التنظيم القانوني والتأثير الاقتصادي الواقعي؟

من جهة أخرى، يشكل تحديد سقف عمولة التبادل في حدود 0.65 في المئة خطوة تنظيمية مهمة، لكنها تطرح سؤال التوازن: هل هذا السقف يعكس فعلاً حماية للتاجر الصغير، أم أنه مجرد إعادة توزيع للكلفة داخل المنظومة البنكية دون معالجة جوهرية لثقلها؟

الأكثر إثارة للنقاش هو رهان الدولة على “التسريع” في تعميم الأداء الإلكتروني. فهل نحن أمام تحول تدريجي مبني على الإدماج الفعلي، أم أمام ضغط غير مباشر يدفع التجار إلى التكيف السريع مع منظومة قد لا تراعي الفوارق القطاعية والجغرافية؟

التصريحات الحكومية تشير إلى إحداث صندوق لدعم التجهيزات والعمولات، وهو ما يبدو خطوة في اتجاه التخفيف من العبء، لكن يظل السؤال قائماً: كيف سيتم ضبط حكامة هذا الصندوق؟ ومن سيستفيد منه فعلياً؟ وهل ستصل هذه الآليات فعلاً إلى أصغر تاجر في الأسواق الشعبية، أم ستظل محصورة في نطاق محدود من الفاعلين الأكثر تنظيماً؟

كما أن الحديث عن “توسيع شبكة القبول” و”تعزيز الشمول المالي” يثير بدوره إشكالية أعمق: هل الشمول المالي يتحقق فقط عبر توسيع نقاط الأداء الإلكتروني، أم أنه مرتبط أيضاً بمدى جاهزية البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للتعامل مع هذا التحول؟

في العمق، يبدو أن النقاش لا يتعلق فقط بالأداء الإلكتروني كوسيلة تقنية، بل بمنظور شامل لإعادة تشكيل العلاقة بين النقد، الدولة، والتاجر، والمستهلك. وهي علاقة معقدة لا يمكن اختزالها في قرارات تنظيمية أو نسب مئوية مهما بدت دقيقة.

وبين الطموح الحكومي نحو اقتصاد أقل اعتمادا على “الكاش”، وبين واقع سوق يغلب عليه الطابع غير المهيكل، يظل السؤال مفتوحا: هل نحن أمام تحول رقمي فعلي… أم أمام انتقال سريع في الخطاب قبل أن تكتمل شروطه على الأرض؟

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد