بعد إغلاق باب التسجيل الاستثنائي في اللوائح الانتخابية العامة، الذي فتحته وزارة الداخلية منتصف ماي الماضي وتم تمديده إلى غاية 13 يونيو الجاري، استعداداً لانتخابات أعضاء مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر المقبل.
ورغم النداءات التي تم إطلاقها من طرف الجميع : الدولة، الاحزاب السياسية، المجتمع المدني، اتضح أن الحملة الدعائية لم تلق استجابة من طرف عموم المواطنين حيث ظلت موجهة نحو القواعد التقليدية أو الفئات التي يتوقع أن تكون موالية أو قابلة للاستقطاب الحزبي.
ويذكر أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، حسب معطيات وزارة الداخلية عند نهاية مارس الماضي 16 مليوناً و 8327 مسجلاً.
ويبقى السؤال هل ستنعكس هذه الزيادة المحتملة على مشاركة سياسية واسعة ؟ أم سيقتصر الأمر على المنخرطين في الأحزاب السياسية و المتواجدين في محيطها فقط .
وهكذا تجد العديد من الهيئات السياسية مضطرة الى التركيز على الموالين لها و اعتماد متطوعين للاشتغال في حملات الانتخابية فقط اما التصويت فتتحكم فيه امور اخرى لا يسع المجال للحديث عنها .
اهتمت حل الأحزاب السياسية خلال حملات التسجيل في اللوائح الانتخابية بتحفيز قواعدها التقليدية أو الفئات التي يمكن أن تتحول إلى موالين أو ناخبين محتملين. هذا النهج ليس صدفة، بل قد يكون خياراً استراتيجياً مدروساً، خاصة في ظل نظام القاسم الانتخابي المعمول به منذ تعديل 2021.
يحسب القاسم على أساس عدد المقاعد مقسوماً على عدد المسجلين في الدائرة ، ثم توزع المقاعد حسب عدد الأصوات التي تحصل عليها كل لائحة . زيادة عدد المسجلين ترفع قيمة القاسم تلقائياً، مما يستلزم أصواتاً أكثر للفوز بمقعد. وإذا كانت هذه الزيادة تأتي من فئات غير مضمونة الولاء أو التصويت للحزب المعني، فإنها قد تضخم العتبة دون أن تضيف أصواتاً حقيقية لصالحه. طبعا هناك نجاح الدور الثاني، لكنه يعتبر نجاح الراشتاج ” و موسوم بالريع اكثر منه بالاستحقاق.
في هذا السياق، يصبح التركيز على “الموالين ” خياراً أكثر أماناً حسابياً واستراتيجياً. فالأحزاب الكبرى تمتلك قواعد منظمة وقادرة على التعبئة السريعة والمضمونة نسبياً. تعبئة هذه القواعد فقط تضمن تركيز الأصوات في الدوائر القوية، وتجنب مخاطر رفع القاسم بمسجلين جدد قد لا يصوتون أو يصوتون للمنافسين. أما الحملات الواسعة التي تستهدف الشباب أو الفئات غير المنخرطة تقليدياً، فتحمل مخاطر حسابية ولوجستية أكبر.
وهكذا تتحدد النتائج بقدرة كل حزب على تعبئة قاعدته ومحيطه المباشر، وليس بقدرته على توسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل فئات جديدة. هذا النمط يعزز الدينامية الحزبية التقليدية القائمة على الولاء والاستقطاب المباشر والرشوة ويقلل من الحاجة إلى برامج سياسية جذابة أو جهود تحسيسية واسعة تستهدف المواطن العادي.
وهي من أهم أسباب عزوف الشباب عن الانتخابات وتآكل الثقة، إذا كانت الأحزاب الكبرى لا ترى مصلحة فورية في توسيع القاعدة الانتخابية بشكل حقيقي، فإن دعواتها تبقى شكلية، ويظل العزوف السياسي مستمراً.
