الطبخ المغربي تقاليد وعادات عريقة

حياة مليئة بالتقاليد العريقة والعادات الراسخة في الطبخ بعضها أغرب من بعض وفئة منها أشد رمزية من فئة تضيع الأن شيئا فشيئا، وكأن صخب الحياة العصرية قد عصف بها عصفا.

هذه التقاليد التي تراكمت على مر السنين قليلا قليلا، كانت تحتذى من المولد حتى الممات حذوا أمينا في هذا البلد العريق في الحضارة والمدنية.

فمناسبة الولادة، يقدم إلى النفساء «سلو» ـ ذلكم الهرم من الدقيق واللوز المحمص المطحون ليرد إليها قواها تلكم القوة التى يستمدها الرضيع غداء من ثدي امه .

ويرمز إلى زواج الوليد بأن تتغدى النفساء في يومها الأول بدجاجة تمثل العروس التي سيتخذها الوليد الذكر له زوجةً في المستقبل، أو بديك يرمز إلى العريس المبارك الذي سيكون لوليدتها الصغيرة زوجا في ما بعد.

وفي سابع أيام الميلاد، ينحر الكبش الذي سيمنح للطفل اسما، وفي ذلكم الصباح، تقدم الفطائر المتنوعة للفطور( الملاوي، الرغايف، بغرير الخ ) وسيخفي القفطان الواسع – لحسن الحظ هذا السرف وغيره الذي سيغدق على الأم الشابة طوال أربعين يوما.

وهناك مناسبات أخرى : حفلات الزواج، والختان، والأعياد الدينية، ولكل مأدبة تقاليدها الطبخية التي تطبعها بطابعها الخاص.

سنقتفي أثر عروس شابة انطلاقا من اليوم الأول.

ها هي العروس تنتظر قلقة مشغولة البال الانصراف إلى أسرتها الجديدة. عندئد تقدم لها أمها أكلات لم تحركها أي مغرفة لكي تكون حياتها القابلة هنية لا كدر فيها»

وفي الوقت نفسه يستعد المدعوون في منزل العريس للتلذذ على انغام الموسيقى الأندلسية – «بالتفاية» التقليدية المزينة باللوز والبيض المسلوق. والحلوى« الرغيفة» الشهيرة التي صنعها المتخصصون بعد أن يكونوا قد طعموا من البسطيلة والمشوي أو الدجاج بالليمون الحامض المحفوظ.

وفي صبيحة الغد، تبعث أسرة العروس للزوجين الشابين بفطور قوامه الرز بالحليب ورأس خروف مبخر. وعلى هذا النحو تصبح العروس طاهرة مثل الحليب، وقادرة على تسيير بيتها بكامل «رأسها».

وفي سابع أيام الزفاف، تمتحن العروس أول امتحان بأن تهيء في الصباح الباكر الخميرة التي ستخمر الخبز، وتدخل على بيتها الخير والبركات.

وستختبر حماتها – المستطلعة دائما – مدى كفايتها في الطبخ ومقدار مهارتها في صنع الطعام. ويعتبر النجاح في إعداد طاجين السمك اعترافا لها بالحذق في الطهي. ولكي يذهب طيب المسك بريح المطبخ. تصحب العروس في ذلك اليوم إلى الحمام. وعند رجوعها من الحمام، يقدم إليها الشاي« المُنَعْنَعُ، والقهوة المعطرة بماء الزهر والقرفة، والقراشل»، والبيض المسلوق واللوز المقلي، لاسترجاع قوة هي في مسيس صنع الحاجة إليها.

ذلك أنها ما دامت تقيم في بيت أسرة زوجها، وما دامت تنتظر ميلاد الابن الأول الذي سيوطد مركزها، عليها أن تطيع في احترام أوامر حماتها، وتتقن الكسكس، وتصنع ورقة البسطيلة، وتعد الحلوى بمناسبة الأعياد.

وفي عيد الأضحى، يُشترط فيها أن تحسن مزج توابل «المروزية» (أكلة حلوة تعمل من الزبيب واللوز، ويمكن الاحتفاظ بها مدة شهر من دون ثلاجة).

ويوم عيد المولد النبوي الشريف، تتلذذ الأسرة بأكل «العصيدة»، وهي طعام يعمل من السميد المطبوخ المسقي بالعسل تُعدّه الزوج الشابة في الصباح الباكر فطورا للأسرة.

وستحضر حفل «الخليع» (اللحم القديد)، فتعبر عن فرحتها صحبة نساء أخريات على دقاق الطعاريج»، بينما ينحر الجزار العجل أو الثور المخصص للخليع.

ستواصل العروس مطافها، فتسوي «هربل» بمناسبة حلول أول السنة، وهو قمح مجروش يعمل بالحليب ويبشر بخير يعم السنة كلها. وفي هذا اليوم بالذات، ستحرق أصيبعاتها حين صنع تلكم الفطائر التى تنفخ هواء بتأثير الحرارة ( الرغايف مخمرين ) وتعني كل فطيرة منتفخة بالنسبة للعروس الخير والبركة والسعادة والهناء.

ستكون كذلك فخورة بطهي أجود «حريرة» لرمضان، ويصنع «الكريوش» المتن دوستون المقوي، وستعمس النجماط» في الحليب للمريض الناقه، وستهب العمر والجوز والبيض المسلوق بمناسبة «عاشوراء» عيد الأطفال.

وستشهد فرحانة جذلانة نحر الكبش الذي يقدم هبة للبنائين الذين سيقيمون أمس بنينها المقبل.

وستنظف ببالغ المحبة والعناية مأواها هذا عندما يتم بناؤه وسترش أرضه بالحليب، وتعطر جابته بيخور عود الصندل، ثم ستفتح أبوابه للمقرئين تطعمهم من أول كسكس، وتشبعهم من أول مشوي تصنعه في بيتها المستقل الجديد، في حين يضرع أولائك المقرؤون إلى الله ويستخيرونه جل علاه أن يسبغ من كريم نعمه على الزوجين، تلكم النعم التي ستجعل من هذه الزوجة الشابة بدورها أما يقظة وحماة صارمة وجدة رؤوفا رؤوما.

اختفى الكثير من هذه التقاليد واندثر؛ ولكنه بقي رسخا في اعماقنا ذلكم الاثر الواهي، و ذلكم الحنين المبهم الذي يجعلنا نحلم في عالم ينغمس في الواقعية اكثر فأكثر.

 

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد