عصام سبادي
لم يعد الحق في الصحة مجرد مطلب اجتماعي أو خدمة عمومية تقدمها الدولة لمواطنيها، بل أصبح حقا دستوريا وإنسانيا يرتبط بشكل مباشر بالكرامة الإنسانية وبجودة الحياة. ومن هذا المنطلق، جاء عرض المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ليؤكد حجم الإصلاحات التي باشرها المغرب خلال السنوات الأخيرة في القطاع الصحي، ويبرز التقدم المحقق على المستوى التشريعي والمؤسساتي. غير أن هذا التقديم يثير في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى انعكاس هذه الإصلاحات على الواقع اليومي للمواطنين، ومدى قدرتها على تجاوز الاختلالات المزمنة التي ما تزال تواجه المنظومة الصحية.
من الناحية القانونية، شهد المغرب تحولات مهمة عززت مكانة الحق في الصحة داخل المنظومة الوطنية. فدستور 2011 كرس هذا الحق ضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، كما جاء القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية ليضع أسسا جديدة تقوم على احترام كرامة المرضى وحماية المعطيات الصحية الشخصية وتطوير الحكامة الصحية. كما أطلقت الدولة مشروع تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية، في خطوة تهدف إلى توسيع دائرة المستفيدين من العلاج والرعاية الصحية. هذه الإجراءات تعكس إرادة سياسية واضحة لتقوية البعد الحقوقي في تدبير الشأن الصحي، وتنسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
غير أن الإشكال القانوني لا يكمن فقط في سن القوانين، بل في مدى فعالية تنزيلها على أرض الواقع. فالمواطن الذي يواجه طوابير الانتظار الطويلة، أو يعاني من غياب الأطر الطبية بالمناطق النائية، أو يجد نفسه مضطرا للجوء إلى القطاع الخاص بسبب ضعف الخدمات العمومية، قد لا يلمس الأثر المباشر لهذه الإصلاحات. وهنا يطرح سؤال جوهري: هل نجحت المنظومة القانونية الجديدة في ضمان المساواة الفعلية في الولوج إلى العلاج، أم أنها ما تزال تصطدم بإكراهات التنفيذ والتمويل والموارد البشرية؟ فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يواكبه تأهيل للبنيات الصحية وتحسين لجودة الخدمات وتقليص للفوارق المجالية.
وفي هذا السياق، يكتسي دور المجلس الوطني لحقوق الإنسان أهمية خاصة باعتباره مؤسسة دستورية تراقب مدى احترام الحقوق والحريات. فالمجلس لا يكتفي بإعداد التقارير وإصدار التوصيات، بل يتدخل أيضا من خلال معالجة الشكايات وإجراء الزيارات الميدانية للمؤسسات الصحية وأماكن الاحتجاز ومصحات الأمراض النفسية والعقلية. غير أن استمرار تسجيل شكايات مرتبطة بالخدمات الصحية يبرز أن الطريق ما يزال طويلا أمام تحقيق منظومة صحية قائمة بشكل كامل على مقاربة حقوق الإنسان. كما أن توصيات المجلس المتكررة بشأن الحكامة والموارد البشرية والعدالة المجالية تعكس وجود اختلالات لم تتم معالجتها بالشكل المطلوب بعد.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من مرحلة الإصلاح التشريعي إلى مرحلة ضمان الأثر الفعلي لهذه الإصلاحات على حياة المواطنين. فنجاح أي سياسة صحية لا يقاس بعدد القوانين الصادرة أو التقارير المقدمة أمام الهيئات الدولية، بل بمدى قدرة المواطن على الولوج إلى علاج جيد وفي الوقت المناسب وبكرامة كاملة. وبينما يواصل المغرب تطوير منظومته الصحية، تظل أسئلة عديدة مطروحة: هل ستنجح الإصلاحات الحالية في تقليص الفوارق الصحية بين الجهات؟ وهل ستتمكن الدولة من توفير الموارد البشرية الكافية لمواكبة الورش الصحي الكبير؟ وهل يتحول الحق في الصحة من مبدأ قانوني إلى واقع ملموس يشعر به جميع المواطنين دون استثناء؟ تلك هي التحديات الحقيقية التي ستحدد مستقبل الحق في الصحة بالمغرب خلال السنوات المقبلة.
