عصام سبادي
هل يمكن أن نكون أمام مجتمعات تُدار جزئيًا بأشخاص لم ينجحوا فعليًا… بل “نجوا” من الامتحان؟ سؤال يبدو صادمًا، لكنه يصبح أكثر إزعاجًا حين نتأمل كيف يمكن لورقة امتحان مغشوشة أن تتحول، بعد سنوات، إلى شهادة تفتح باب مهنة تمس حياة الناس، حقوقهم، وأمنهم. هنا لم يعد الغش مجرد سلوك مدرسي، بل بداية سلسلة طويلة من الأسئلة الثقيلة: من يضمن لنا أن الكفاءة التي تقف خلف الطبيب أو القاضي أو المهندس هي كفاءة حقيقية وليست مجرد عبور سريع عبر ثغرة في نظام المراقبة؟
إن أخطر ما في الغش أنه لا يُكتشف دائمًا في لحظته، بل يتخفى داخل الزمن، ويتحول تدريجيًا إلى “شرعية شكلية” تمنح صاحبها حق ممارسة مهام يفترض أنها مبنية على الاستحقاق لا على الحيلة. وهنا يبرز سؤال لا يقل إزعاجًا: هل الشهادة اليوم ما تزال دليل علم، أم مجرد وثيقة عبور اجتماعي قد لا تعكس حقيقة ما يوجد خلفها من فراغ معرفي؟
وتتعاظم خطورة هذا الإشكال حين يتعلق الأمر بالتخصصات الحساسة، حيث لا يكون الخطأ مجرد علامة ناقصة، بل قد يتحول إلى خطأ طبي، أو قرار تقني له أثر مباشر على حياة الناس. كيف يمكن لمجتمع أن يطمئن إلى طبيب لم يُختبر علمه بصرامة حقيقية؟ وكيف يمكن الوثوق بمنظومة عدالة قد يدخلها فاعلون لم يُبنَ تكوينهم على أساس متين؟ أليس في ذلك تهديد صامت لفكرة الأمان المجتمعي نفسها؟
ومن زاوية قانونية، يطرح هذا الواقع إشكالًا أعمق يتعلق بمسؤولية المؤسسات في ضمان جودة “الترخيص المهني” الذي تمنحه عبر الشواهد. فالتساهل في الامتحانات أو ضعف المراقبة لا يظل خطأً تربويًا فقط، بل قد يتحول إلى خلل مؤسساتي يمس مبدأ حماية المجتمع من الكفاءات غير المؤهلة، خاصة في المهن المنظمة بقوانين صارمة.
هكذا يتحول الغش من مجرد واقعة داخل قاعة امتحان إلى سؤال وجودي حول معنى الاستحقاق، وحدود الثقة في الكفاءات، ومستقبل منظومة بأكملها: فهل نحن أمام تعليم يُنتج المعرفة، أم أمام نظام يوزّع شهادات قد لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي خارج أسوار الجامعة؟
