عصام سبادي
في السياسة، قد تبدو الذاكرة وكأنها لا تموت، بل تعود في اللحظة التي يُفترض فيها أن تُطوى الصفحات. تصريح يُستحضر من أرشيف الحملات الانتخابية، ووعد يُستدعى إلى الواجهة بعد سنوات من تسيير الشأن العام، وتصويت برلماني يُحوّل ملفاً تقنياً إلى مادة سياسية مشتعلة. بين هذا وذاك، يطفو سؤال جوهري: كيف تتحول الوعود الانتخابية من شعارات في لحظة التنافس إلى نقاط مساءلة في لحظة التدبير؟
في هذا السياق، أعادت تصريحات محمد أوزين بشأن ملف تسقيف أسعار المحروقات و”سامير” النقاش إلى نقطة البداية تقريباً. فهل يتعلق الأمر بمجرد رد سياسي على موقف برلماني داخل مجلس المستشارين؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليعيد طرح التزامات سابقة قيلت في سياق انتخابي مختلف؟ وكيف يمكن فهم الانتقال من خطاب يعد بتسقيف الأسعار إلى موقف سياسي يصوت ضد مقترحات تحمل التوجه نفسه؟ وهل يظل الناخب يتابع فقط القرارات، أم أنه يعود أيضاً إلى خطابات الماضي لقياس مدى الاتساق بينها وبين الحاضر؟
ويبدو أن اختيار هذا الملف بالذات لم يأتِ من فراغ. فأسعار المحروقات ليست مجرد رقم اقتصادي، بل عامل يؤثر في كلفة المعيشة والنقل والأسعار العامة، ما يجعلها واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش العمومي. لكن هل يُستخدم هذا الملف اليوم فقط لكونه يمس المواطن مباشرة؟ أم لأنه يمثل نقطة تقاطع بين الوعود الانتخابية والقرارات الحكومية، وبالتالي مادة مثالية لإعادة فتح النقاش السياسي قبيل أي استحقاقات مقبلة؟
وفي ظل هذا التداخل بين الخطاب السياسي والممارسة الحكومية، يبرز سؤال أعمق يتعلق بثقة المواطن في الفعل السياسي ذاته. فهل يمكن اعتبار تغير المواقف تناقضاً مع الوعود السابقة، أم أنه انعكاس لتعقيدات الحكم التي لا تظهر أثناء الحملات الانتخابية؟ وإلى أي حد يستطيع الناخب التمييز بين ما هو قابل للتنفيذ فعلاً وما هو مجرد تعهد سياسي يُطرح في سياق المنافسة؟ بين هذه الأسئلة كلها، يبقى الحكم النهائي معلقاً على وعي المواطن وقدرته على قراءة ما وراء الخطاب، أكثر من الاكتفاء بما يُقال في لحظته.
