عصام سبادي
في لحظة دقيقة من النقاش العمومي حول إصلاح مدونة الأسرة بالمغرب، يبدو أن الجدل لم يعد يقتصر على حدود النص القانوني أو تفاصيله التقنية، بل اتسع ليشمل أسئلة أعمق تتعلق بفلسفة العدالة داخل الأسرة نفسها. وبينما يركّز الخطاب التقليدي على حماية التوازن بين الزوجين وضمان استقرار الأطفال، بدأت تتصاعد أصوات جديدة ترى أن هذا التوازن، في بعض الحالات، يحتاج إلى إعادة قراءة هادئة وموضوعية بعيداً عن الانطباعات المسبقة أو التعميمات.
في هذا السياق، تبرز جمعيات تُعنى بحقوق الرجال كفاعل ضمن هذا النقاش، ليس من موقع الصدام، بل من زاوية تعتبر أن بعض الإشكالات التطبيقية قد تولد شعوراً بعدم الإنصاف في ملفات مثل الطلاق والنفقة والحضانة. غير أن هذا الطرح يظل، في جوهره، جزءاً من نقاش مجتمعي أوسع لا يمكن اختزاله في طرف واحد، بقدر ما يفرض التساؤل حول مدى قدرة المنظومة القانونية على مواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة.
وعند التوقف عند ملف النفقة، يظهر نقاش حساس يرتبط بكيفية تقدير الالتزامات المالية بعد انتهاء العلاقة الزوجية. فبين من يعتبر أن هذه الالتزامات تشكل ضمانة ضرورية لاستقرار الأطفال واستمرار رعايتهم، ومن يرى أن بعض الحالات قد تعرف صعوبات في التناسب بين القدرة المالية والواجبات المفروضة، يظل السؤال المطروح هو: هل تكمن الإشكالية في مبدأ النفقة نفسه أم في آليات تقديرها وتنفيذها القضائي؟
أما في ما يتعلق بالحضانة، فإن النقاش يأخذ بعداً أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع التصورات الاجتماعية السائدة حول أدوار الأم والأب. وبينما يؤكد النص القانوني على أن معيار “مصلحة الطفل” هو الأساس، يظل التساؤل قائماً حول كيفية تنزيل هذا المبدأ في الواقع العملي، ومدى قدرة التقدير القضائي على تجاوز التأثيرات الثقافية المتراكمة دون الإخلال بروح القانون.
وفي المحصلة، يبدو أن الجدل حول مدونة الأسرة لا يتعلق فقط بإعادة صياغة مواد قانونية، بل بإعادة التفكير في مفهوم العدالة الأسرية ذاته داخل المجتمع المغربي. فهل يكفي تعديل النصوص لتحقيق التوازن المنشود؟ أم أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء وعي قانوني واجتماعي جديد يُعيد تعريف العلاقة بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة، بعيداً عن ثنائية الربح والخسارة؟
