عصام سبادي
يطرح تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص إلى 8 ساعات يوميًا، بدل سقف كان يصل إلى 12 ساعة، إشكالًا حادًا في عمق تنظيم سوق الشغل، ليس فقط من زاوية قانونية، بل من حيث القدرة على قلب واقع مهني قائم على الاستنزاف وطول زمن العمل. فهل نحن أمام تحول حقيقي في فلسفة تشغيل هذه الفئة، أم أمام إصلاح يبدو قويًا في النص لكنه هشّ في التطبيق؟
ويأتي هذا التعديل ضمن مشروع القانون رقم 32.26 الذي صادق عليه مجلس النواب المغربي، في إطار مقاربة رسمية تروم تحسين شروط العمل داخل المهن الهشة. غير أن الإشكال المركزي يظل مطروحًا: كيف يمكن لنص قانوني أن يعيد ضبط قطاع يعتمد في جوهره على تمديد ساعات العمل كآلية لتقليص الكلفة وضمان استمرارية الخدمة؟
من الناحية الاجتماعية، يثير هذا القرار تساؤلات عميقة حول مدى قدرة تقليص ساعات العمل على وقف الاستنزاف اليومي الذي يعيشه حراس الأمن الخاص، بين العمل الليلي، والوقوف لساعات طويلة، وضغط التغطية الأمنية المستمرة. فهل سيترجم هذا التغيير إلى تحسن ملموس في جودة الحياة المهنية، أم أنه سيبقى مجرد “تحسين رقمي” لا يغيّر جوهر المعاناة اليومية؟
اقتصاديًا، يفتح القرار مواجهة مباشرة مع نموذج اشتغال شركات الأمن الخاص، الذي يقوم على منطق تقليص التكلفة عبر تكثيف ساعات العمل بدل توسيع التشغيل. فهل ستتحمل هذه الشركات كلفة الانتقال إلى تشغيل أكبر لعدد من المستخدمين؟ أم أن الواقع سيدفع نحو حلول التفافية مثل الضغط غير المباشر، تعدد المهام، أو تشغيل غير مصرح به يفرغ الإصلاح من مضمونه؟
أما على مستوى التطبيق، فإن أخطر نقطة لا تتعلق بالنص القانوني، بل بقدرة الدولة على فرضه داخل قطاع واسع ومتشعب يعتمد على المناولة والتعاقد مع مؤسسات عمومية وخاصة. فكيف يمكن مراقبة آلاف المواقع في وقت واحد؟ وهل تمتلك مفتشية الشغل فعليًا أدوات ردع كافية لمنع أي تحايل محتمل على سقف 8 ساعات؟
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نحن أمام بداية تفكيك لنموذج هشّ في التشغيل وإعادة بناء قطاع أكثر مأسسة وعدالة اجتماعية، أم أن هذا القانون سيلتحق بسلسلة إصلاحات تبقى قوية في الخطاب، لكنها تصطدم بواقع أكثر صلابة وتعقيدًا؟
