سيدي السباعي
تعد الأقاليم الجنوبية للمملكة اليوم من أكثر المناطق حيوية على المستوى الديموغرافي، حيث تشكل الساكنة الشابة العمود الفقري للنسيج الاجتماعي والرهان الحقيقي لكل استراتيجية تنموية طموحة، فبينما تتسارع وتيرة المشاريع الكبرى والبنية التحتية الصلبة في هذه الأقاليم، يبرز تساؤل جوهري حول مآلات الرأسمال البشري ومدى قدرة المنظومة الاقتصادية المحلية على استيعاب هذه الطاقات المبدعة وتحويلها من قوة عاملة معطلة إلى محركات للابتكار الاجتماعي والريادة.
إن الواقع المعيش يكشف عن فجوة حقيقية بين طموحات الشباب الحالمين بترك بصمتهم في اقتصاد المنطقة، وبين واقع “البيروقراطية” الصامتة التي قد تجهض المشاريع المبتكرة في مهدها، مما يجعلنا أمام ضرورة ملحة لإعادة التفكير في بيئة الأعمال الحاضنة للشباب، كما أن الانتقال من منطق “التكوين من أجل التكوين” إلى “التكوين من أجل التشغيل” يتطلب مقاربة جريئة تتجاوز الحلول الترقيعية، نحو إرساء حاضنات أعمال حقيقية تستوعب خصوصية المنطقة وتوظف مؤهلاتها.
لقد أثبت العديد من الشباب في الأقاليم الجنوبية قدرة فائقة على ابتكار مشاريع صغيرة ذات قيمة مضافة عالية، إلا أنهم يصطدمون في مساراتهم بصعوبات التمويل، وغياب المواكبة التقنية، وتعدد المسارات الإدارية التي تستنزف الحماس والوقت، وهذه التحديات ليست مجرد عقبات ظرفية، بل هي مؤشر على قصور في الرؤية التشاركية بين المؤسسات المنتخبة، والقطاع الخاص، والجامعات، التي يجب أن تصبح اليوم مختبرات حقيقية للتفكير في حلول محلية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المنطقة.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق المؤسسات المنتخبة والمستثمرين مسؤولية تاريخية لإطلاق “صندوق جهوي لدعم الشباب”، يكون بمثابة ذراع مالي وتقني يمنح الأولوية للمشاريع التي تعتمد على التكنولوجيا، والابتكار، وتثمين الموارد المحلية، فالاستثمار في الشباب ليس ترفا اجتماعيا، بل هو استثمار في أمن واستقرار وتنافسية الجهة على المدى البعيد، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية التي تشهدها البلاد.
كما أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بطول الطرق أو حجم الموانئ، بل بقدرتنا على خلق “بيئة عقلانية” تسمح لكل شاب بممارسة ابتكاره وتجسيد فكرته على أرض الواقع، لهذا فإن تحويل الطاقات الشابة إلى محرك تنموي يتطلب اليوم إرادة سياسية واضحة لكسر القيود الإدارية، وتوفير مظلة حماية ومواكبة للمبادرات الشبابية، لضمان أن تظل الصحراء فضاء للإبداع والتميز، لا مكانا تتبخر فيه طموحات أجيال صاعدة.
حري بالذكر، أن الرهان اليوم على الابتكار الاجتماعي يعتبر بوابة حقيقية لترسيخ نموذج تنموي جهوي متكامل، يجمع بين طموح الرؤية الملكية وواقع الممارسة الميدانية التي يضعها الشباب في صلب اهتماماته.
