عز الدين بنيس.. رجل الوفاء للكوكب المراكشي وصانع الأجيال في صمت

بعيدا عن أضواء الشهرة وضجيج الملاعب، يبرز اسم عز الدين بنيس كواحد من الشخصيات التي تركت بصمتها العميقة في تاريخ كرة القدم المراكشية. فهو ليس مجرد لاعب سابق أو مدرب مر من مقاعد الاحتياط، بل رجل كرّس جزءا كبيرا من حياته لخدمة الكوكب المراكشي، مؤمنا بأن بناء الأجيال وصناعة المواهب لا يقلان أهمية عن تحقيق الألقاب والانتصارات.

في مدينة مراكش، حيث بدأت أولى خطواته، تشكلت ملامح شخصية بنيس الرياضية والإنسانية. عشق كرة القدم منذ الصغر، فوجد طريقه نحو نادي الكوكب المراكشي الذي سيصبح لاحقا جزءا من هويته ومساره المهني. داخل أسوار النادي، برز كلاعب وسط ميدان يتمتع بلمسة فنية راقية ورؤية جيدة للملعب، واشتهر بإجادته التسديد من مسافات بعيدة، ما جعله من الأسماء التي تركت أثرا لدى جماهير النادي خلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات.

غير أن مسيرته كلاعب لم تأخذ المدى الذي كان ينتظره، بعدما اعترضتها الإصابة وبعض الإكراهات التي عاشها الفريق في تلك الفترة. لكن بنيس لم يغادر عالم الكرة، بل اختار طريقا آخر أكثر هدوءا وأعمق أثرا، وهو طريق التكوين والتأطير.

إلى جانب شغفه بالرياضة، اختار العمل في قطاع التعليم، حيث اشتغل أستاذا للتربية البدنية لسنوات طويلة. وقد انعكست خبرته التربوية على شخصيته كمدرب ومؤطر، فكان يؤمن بأن اللاعب الجيد يجب أن يكون أيضا إنسانا منضبطا ومتوازنا. هذه القناعة جعلته يحظى باحترام كل من اشتغل معهم، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو في الملاعب الرياضية.

ومع مرور السنوات، تحول بنيس إلى أحد أبرز الأطر التقنية بمدينة مراكش. حصل على رخصة التدريب من الدرجة “أ” المعتمدة من الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وواصل تطوير معارفه وخبراته في مجال التكوين الرياضي. وسرعان ما أصبح اسمه مرتبطا بالفئات السنية للكوكب المراكشي، حيث أشرف على إعداد وتكوين أجيال متعاقبة من اللاعبين الذين شقوا طريقهم نحو الفريق الأول وبعضهم نحو مستويات أعلى في كرة القدم الوطنية.

داخل النادي، كان ينظر إليه باعتباره المرجع التقني وأحد الحراس الأمناء على مدرسة الكوكب المراكشي. فقد قضى سنوات طويلة في العمل اليومي مع الناشئين والشبان، مؤمنا بأن مستقبل الأندية يبدأ من الفئات الصغرى. ومن بين اللاعبين الذين مروا تحت إشرافه عدد من الأسماء التي تألقت لاحقا داخل الفريق الأول وفي الساحة الكروية الوطنية.

وعندما كانت الأزمات تضرب الكوكب المراكشي، كان اسم عز الدين بنيس يعود دائما إلى الواجهة. ففي أكثر من محطة، وجد نفسه مطالبا بقيادة الفريق الأول خلال ظروف صعبة وحساسة، مستفيدا من معرفته الدقيقة بخبايا النادي ولاعبيه. لذلك أطلق عليه الكثيرون لقب “رجل المهام الصعبة”، لأنه كان يتقدم لتحمل المسؤولية كلما احتاج النادي إلى أبنائه المخلصين.

ورغم الفرص التي سنحت له لخوض تجارب جديدة خارج مراكش، سواء مع أندية وطنية أو ضمن مشاريع تقنية أخرى، اختار البقاء قريبا من مدينته وعائلته. لم يكن من هواة التنقل وراء العقود أو الباحثين عن الأضواء، بل فضل الاستقرار والعمل بصمت، مقتنعا بأن النجاح لا يقاس دائما بعدد المناصب التي يشغلها الإنسان، بل بالأثر الذي يتركه في محيطه.

كما ساهم من خلال عضويته باللجنة التقنية الجهوية لعصبة مراكش آسفي لكرة القدم في تأطير المدربين الشباب ونقل خبرته المتراكمة إلى جيل جديد من الأطر الرياضية، مواصلا بذلك رسالته التربوية والرياضية في آن واحد.

اليوم، يظل عز الدين بنيس واحدا من الوجوه التي يصعب فصلها عن تاريخ الكوكب المراكشي. لاعب سابق، ومدرب، ومكوّن، ومربّ، ورجل اختار أن يخدم كرة القدم من مواقع مختلفة، تاركا وراءه إرثا من العمل الجاد والعطاء المتواصل. وبين الملاعب وقاعات الدراسة ومراكز التكوين، كتب بنيس فصول مسيرة عنوانها الوفاء، وجعل من اسمه مرادفا لخدمة الرياضة المراكشية بعيدا عن الحسابات الضيقة وبعيدا عن الأضواء.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد