في ظلّ اشتداد المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، يقترح مركز السياسات للجنوب الجديد (PCNS) إنشاء منصة لمصدري المعادن الأفارقة. وفي موجز سياساته الصادر هذا الشهر، والذي أعدّه حافظ غانم، نائب رئيس البنك الدولي السابق والباحث البارز في مركز الأبحاث المغربي، يؤكد المركز على ضرورة تعزيز التنسيق بين الدول الأفريقية المنتجة للمعادن لحماية مصالحها بشكل أفضل والحصول على حصة أكبر من القيمة المُستمدة من مواردها. الفكرة بسيطة: فبينما تُكثّف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان ودول الخليج مبادراتها لتأمين إمداداتها من المعادن الاستراتيجية، تتمتع أفريقيا بنفوذ تفاوضي غير مسبوق. إلا أن هذا يتطلب من المنتجين الأفارقة التحدث بصوت موحد.
ويرى مركز السياسات للجنوب الجديد أن هذه المنصة لا ينبغي أن تُنظر إليها على أنها احتكار يهدف إلى التأثير على الأسعار العالمية، بل كأداة للتعاون الاقتصادي والصناعي. وتهدف إلى تنسيق مواقف الدول الأعضاء، وتشجيع التصنيع المحلي للمعادن، وتعزيز ظهور سلاسل القيمة الإقليمية.
الخروج عن نموذج تصدير المواد الخام
تبدأ الوثيقة بملاحظة متكررة في النقاشات الدائرة حول الموارد الطبيعية الأفريقية. فعلى الرغم من أهمية احتياطياتها المعدنية، لا تزال القارة تُصدّر في المقام الأول مواد خام غير مُعالجة، بينما تتركز الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية في أماكن أخرى. ووفقًا للمؤلف، فإن الثروة الحقيقية للمعادن الحيوية تتشكل خلال مراحل التكرير والمعالجة الكيميائية وتصنيع المكونات والتجميع الصناعي.
لذا، تُخاطر أفريقيا بإعادة إنتاج نموذج اقتصادي موروث من الحقبة الاستعمارية إذا اقتصرت على توريد المواد الخام للصناعات الأجنبية. ويرى التقرير أن التحول العالمي في قطاع الطاقة يُتيح فرصة نادرة لعكس هذا المنطق. ومن المتوقع أن يستمر الطلب على الليثيوم والكوبالت والنحاس والجرافيت والمنغنيز في النمو نتيجة لتطوير المركبات الكهربائية وبطاريات التخزين والتقنيات المتعلقة بإزالة الكربون من الاقتصادات.
خمسة أركان لاستراتيجية قارية
يحدد مركز أبحاث المعادن الحيوية (PCNS) عدة أولويات لتحويل هذه الفرصة إلى استراتيجية تنمية حقيقية.
تتعلق الركيزة الأولى بالحوكمة. ويؤكد التقرير على ضرورة تحسين شفافية عقود التعدين، وتعزيز المؤسسات العامة، وإدارة عائدات استغلال الموارد الطبيعية بشكل أفضل لتجنب الآثار المعروفة لـ”لعنة الموارد”. أما الأولوية الثانية فتهدف إلى تنويع الشراكات الدولية.
في ظل تصاعد التنافسات الجيوسياسية، تتمتع الدول الأفريقية بقوة تفاوضية أكبر من ذي قبل. ويمكن استغلال هذه القوة لضمان المزيد من نقل التكنولوجيا، وتوفير فرص عمل محلية، وجذب استثمارات صناعية. وتتعلق الركيزة الثالثة بتطوير قدرات التكرير والمعالجة في القارة.
ووفقًا لمركز الأبحاث، يكمن الجزء الأكبر من إمكانات خلق القيمة في هذا المجال. وتركز الركيزة الرابعة على البنية التحتية. إذ تتطلب أنشطة المعالجة استثمارات ضخمة في الطاقة، وشبكات النقل، والموانئ، وممرات الخدمات اللوجستية. وأخيرًا، يؤكد التقرير على أهمية التكامل الإقليمي. فقليل من الدول الأفريقية تمتلك بمفردها الموارد والسوق والبنية التحتية اللازمة لبناء صناعة معادن حيوية متكاملة.
بناء سلاسل القيمة الأفريقية
تتضمن مهمة المنصة المستقبلية تشجيع إنشاء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على ربط مختلف المنتجين في القارة. ويشير التقرير إلى العديد من أوجه التكامل الطبيعية. فعلى سبيل المثال، تهيمن جمهورية الكونغو الديمقراطية على إنتاج الكوبالت العالمي، وتحتل زامبيا موقعًا استراتيجيًا في النحاس، بينما تعزز زيمبابوي وجودها في الليثيوم، وتمتلك موزمبيق موارد كبيرة من الجرافيت.
أما جنوب أفريقيا، فتظل لاعبًا رئيسيًا في العديد من المعادن الاستراتيجية. ويكمن التحدي الآن أمام مبادرة سلاسل القيمة الأفريقية في ربط هذه الموارد من خلال بنية تحتية مشتركة، ومناطق صناعية إقليمية، ومشاريع معالجة تعاونية. ومن شأن هذا النهج أن يُمكّن القارة من المشاركة في قطاعات صناعية أكثر ربحية بكثير من التعدين.
المغرب ضمن الدول الأساسية لمنصة المستقبل
يقترح مركز السياسات للجنوب الجديد تشكيل هذه المنصة من مجموعة أساسية من الدول قبل توسيع نطاقها ليشمل منتجين أفارقة آخرين. ومن بين الدول المذكورة: المغرب، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وزامبيا، وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي، وناميبيا، وموزمبيق، والغابون، وغينيا، ومدغشقر، وتنزانيا، وبوتسوانا. وتُقدَّم المملكة كلاعب استراتيجي بفضل قاعدتها الصناعية، وخبرتها في مجال الفوسفات، ومكانتها المتنامية في منظومة السيارات الكهربائية. ويمكن لهذه المزايا أن تُمكّنها من أن تكون حلقة وصل بين استغلال الموارد المعدنية الأفريقية والأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة العالية.
صوت أفريقي أقوى في الحوكمة العالمية
إلى جانب القضايا الصناعية، تهدف المنصة المقترحة أيضًا إلى تمثيل المصالح الأفريقية في المناقشات الدولية المتعلقة بالمعادن الحيوية. ويمكنها تنسيق مواقف الدول المنتجة تجاه القوى الكبرى، والانخراط في حوار مع المؤسسات المالية الدولية المعنية بتمويل هذا القطاع.
بالنسبة لمركز السياسات للجنوب الجديد، لم يعد هذا الموضوع مقتصرًا على قطاع التعدين فحسب. يتعلق الأمر بقدرة أفريقيا على تحويل مواردها الطبيعية إلى محرك للتنمية الاقتصادية. وفي سياق باتت فيه المعادن الحيوية قضية استراتيجية عالمية، يرى مركز الأبحاث المغربي أن القارة أمامها فرصة فريدة لتعزيز قوتها التفاوضية واستعادة بعض السيطرة على مسارها الصناعي.
