ما إن تميل الشمس إلى المغيب، حتى تبدأ مراكش في ارتداء ثوبها الاحتفالي. شيئا فشيئا، تتغير ملامح المدينة الحمراء، فلا يعود الليل مجرد امتداد ليوم صيفي، بل يتحول إلى موعد سنوي تنتظره الأسر والأحياء بشغف. هنا، لا تشبه عاشوراء أي ليلة أخرى، ولا تشبه احتفالاتها ما يجري في باقي المدن المغربية، فمراكش تحتفل بطريقتها الخاصة… بطريقة توارثتها الأجيال، وحفظتها الأزقة كما تحفظ الحجارة ذاكرة التاريخ.
من باب دكالة إلى باب تاغزوت، ومن القصبة إلى باب أيلان والموقف، تبدو المدينة العتيقة وكأنها تستعيد نبض قرون مضت. الأزقة الضيقة التي طالما احتضنت حكايات المراكشيين، تتحول إلى فضاءات مفتوحة للفرح، بينما تتردد أصداء الطعارج بين الجدران العتيقة، فتختلط بنسيم الليل، وكأن المدينة كلها تعزف سيمفونية شعبية لا قائد لها سوى ذاكرة المكان.
قبل أن تبدأ “الدقة”، يكون الأطفال أول من يعلن وصول عاشوراء. بوجوه يغمرها الفرح، يجوبون الأزقة وهم يحملون طعارجهم الصغيرة، يقلدون الكبار في حركاتهم وإيقاعاتهم، فيما تنبعث من النوافذ روائح “القريشلات” والحلويات التقليدية التي أعدتها الأمهات استعدادًا لهذه الليلة الاستثنائية، في مشهد يختلط فيه عبق المطبخ المراكشي بدفء اللقاءات العائلية.
ومع حلول الظلام، تبدأ الحلقة الأكبر. عشرات الشباب يتحلقون في ساحات الأحياء الشعبية، تتوسطهم الطعارج والطارات والقراقب “القراقش او الجوجة”، وما إن ترتفع أولى الضربات حتى تتعالى الأصوات مرددة أهازيج الدقة المراكشية، ذلك الفن الذي تجاوز كونه لونًا موسيقيًا ليصبح جزءًا من هوية المدينة وروحها. تتعاقب الإيقاعات، تتسارع ثم تهدأ، فيما تتناغم الأكف مع الجلود المشدودة للطعارج في انسجام لا يحتاج إلى قائد أوركسترا، لأن الجميع يحفظ الإيقاع بالفطرة، كما حفظه عن آبائه وأجداده.
غير بعيد عن تلك التجمعات، تعيش النساء احتفالًا لا يقل بهجة. داخل البيوت أو في ساحات الحي، تتشكل حلقات نسائية تملؤها الزغاريد والضحكات، حيث تتردد أغاني الهواري وغيرها من الفنون الشعبية النسائية، وتتعالى التصفيقات في انسجام يعكس مكانة المرأة في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي ونقله من جيل إلى آخر. هناك، لا تبدو المناسبة مجرد احتفال، بل لحظة تستعاد فيها الذاكرة الجماعية بكل تفاصيلها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في ليلة عاشوراء بمراكش، هو ذلك التعايش الفريد بين مختلف التجمعات. فالشباب يحتفلون في الشارع، والنساء يحتفلن في فضاءاتهن، والأطفال يتنقلون بين الجميع، في مشهد يسوده الاحترام المتبادل وروح الجيرة الأصيلة، دون صخب يفسد الفرحة أو تجاوز يمس حرمة الآخر. إنها صورة تختزل طبيعة المجتمع المراكشي المحافظ، الذي استطاع أن يحافظ على توازنه بين الفرح والالتزام، وبين الاحتفال وصون الأعراف.
ورغم التحولات العمرانية التي عرفتها المدينة، واتساع أحيائها الحديثة، لا تزال الأحياء الشعبية والمدينة العتيقة تحتفظ بالدور الأكبر في صيانة هذا الموروث. فكل عاشوراء تعيد إحياء الطقوس نفسها، وتورث الإيقاعات ذاتها، وكأن الزمن يتوقف لساعات حتى يمنح الذاكرة فرصة جديدة للاستمرار.
في مراكش، لا تُقاس عاشوراء بعدد الطعارج التي تُباع، ولا بحجم التجمعات التي تُقام، بل بما تتركه من دفء في القلوب، وما تحمله من رسائل الوفاء للماضي. إنها ليلة تتصالح فيها المدينة مع ذاكرتها، ويجتمع فيها سكانها حول تراث لا يزال يقاوم النسيان، ويؤكد عامًا بعد آخر أن المدينة الحمراء لا تحتفل بعاشوراء فقط، بل تحتفل بنفسها… بتاريخها، وهويتها، وروحها التي ما زالت تنبض بين أزقتها العتيقة، بإيقاع الطعريجة، وبفرح لا يشبه إلا مراكش.
