عاشوراء مراكش: عندما تنتهي ليلة الطعارج يبدأ “زمزم” و”يوم الزيارة”.. فرحة للأطفال وصلة رحم مع الراحلين

لم تنته الحكاية مع انطفاء آخر إيقاع للطعريجة، ولا مع عودة آخر المحتفلين إلى منازلهم بعد ليلة عاشوراء الصاخبة. ففي مراكش، لا تُختزل عاشوراء في ليلة التاسع من محرم، بل تمتد طقوسها إلى اليوم العاشر، الذي يحمل في ذاكرة المراكشيين أكثر من اسم، وأكثر من معنى، لتستمر الاحتفالات في الشوارع، بينما تتحول المقابر إلى وجهة للأسر، في لوحة إنسانية تجمع بين الفرح والوفاء، وبين بهجة الأطفال واستحضار الأحبة الذين غادروا الحياة.

مع الساعات الأولى من صباح اليوم العاشر، تستيقظ أحياء المدينة على أصوات تختلف عن تلك التي ملأت الأزقة في الليلة السابقة. لم تعد الطعارج هي سيدة المشهد، بل أصبح الماء بطل الحكاية. أطفال يحملون قنينات ودلاء صغيرة، يركضون في الأزقة والحومات، يتبادلون رشق المياه وسط ضحكات تعلو كلما ابتلت ثياب أحدهم، في طقس شعبي يعرفه المراكشيون باسم “يوم زمزم”.

داخل الأحياء العتيقة والشعبية، تتحول الأزقة إلى ساحات لعب مفتوحة. لا يحتاج الأطفال إلى ألعاب إلكترونية أو فضاءات خاصة؛ فالماء وحده كفيل بصناعة الفرح. يختبئ بعضهم خلف الزوايا مترقبًا مرور صديق أو جار، بينما يرد آخرون الهجوم بهجوم مماثل، في مشاهد اعتاد عليها سكان المدينة، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة كل مراكشي عاش طفولته بين هذه الحومات.

ورغم ما يبدو من عفوية تلك الألعاب، فإنها تحمل في عمقها بعدًا تراثيًا حافظت عليه المدينة عبر عقود طويلة، حيث ظل “زمزم” عنوانًا لبراءة الطفولة، وطقسًا ينتظره الصغار عامًا بعد عام، تمامًا كما ينتظرون شراء الطعارج قبل عاشوراء بأيام.

لكن، وعلى بعد أمتار من ضحكات الأطفال، يرسم الكبار مشهدًا مختلفًا تمامًا. فاليوم العاشر من محرم يحمل لديهم اسمًا آخر… “يوم الزيارة”.

منذ الصباح، تتوافد العائلات إلى المقابر، يحملون أكفهم بالدعاء قبل أن يحملوا أغصان النخيل “الجريد” أو أغصان الريحان، وقنينات ماء الزهر. يقفون أمام قبور الآباء والأمهات والأقارب، يقرأون ما تيسر من القرآن الكريم، ويترحمون على أرواح من غابوا عن الدنيا، في عادة اجتماعية راسخة تجسد قيم الوفاء وصلة الرحم التي لا تنقطع حتى بعد الرحيل.

في هذا اليوم، لا تبدو المقابر مكانًا للحزن بقدر ما تتحول إلى فضاء لاستحضار الذكرى وتجديد الدعاء، حيث تلتقي عائلات كثيرة في المقبرة كما تلتقي في الأعياد، فيتبادلون السلام والسؤال عن الأحوال، وكأن زيارة الموتى تصبح أيضًا مناسبة لصلة الأحياء بعضهم ببعض.

ولا يقف البعد الروحي لعاشوراء عند حدود الزيارة والدعاء، إذ يحرص عدد من الأسر المراكشية على إخراج زكاة أموالهم السنوية خلال هذا اليوم، وهي الزكاة التي يطلق عليها محليًا اسم “العشّار” أو “العُشر”، ارتباطًا بمناسبة عاشوراء، حيث يختار البعض هذا الموعد لإخراج حق الفقراء والمحتاجين، اقتداءً بعادة اجتماعية توارثتها الأجيال، وجعلت من عاشوراء مناسبة للتكافل والإحسان، كما هي مناسبة للفرح والاحتفال.

هكذا تبدو عاشوراء في مراكش مختلفة عن غيرها. تبدأ بإيقاعات الدقة المراكشية، وزغاريد النساء، ودفء التجمعات الشعبية، ثم تستمر في اليوم الموالي بمياه “زمزم” التي ترسم البسمة على وجوه الأطفال، قبل أن تختتم بالدعاء في المقابر وإخراج الزكاة، في مشهد يجمع بين التراث والروحانية، وبين ذاكرة الأحياء ووفاء الأحياء لمن سبقوهم.

إنها خصوصية مراكش التي جعلت من عاشوراء أكثر من مجرد مناسبة عابرة، وحولتها إلى تقليد اجتماعي متكامل، تتعاقب فيه طقوس الفرح والتضامن والرحمة، وتبقى المدينة الحمراء، عامًا بعد عام، وفية لذاكرتها الشعبية، محافظة على إرث ثقافي لا يزال يقاوم الزمن، وينتقل من جيل إلى آخر، حاملاً معه روح مراكش الأصيلة.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد