عصام سبادي
ليس أخطر ما يقع اليوم هو تسجيل واقعة عنف جديدة، ولا انتشار مقطع يوثق شجاراً في أحد الأحياء أو أمام مؤسسة تعليمية، بل الأخطر أن تتحول هذه المشاهد إلى صور مألوفة لا تثير الاستغراب كما كانت في السابق. كل حادثة تعيد طرح السؤال نفسه بإلحاح أكبر: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها العنف حاضراً بقوة في سلوك عدد من المراهقين والشباب؟ ولماذا صار البعض يلجأ إلى القوة والتهديد واستعراض السلاح بدل الحوار وضبط النفس؟ وهل نحن أمام حوادث متفرقة، أم أمام ظاهرة تستحق وقفة وطنية صريحة قبل أن تتسع دائرتها أكثر؟
حين نتأمل الواقع، تتزاحم الأسئلة أكثر من الأجوبة. هل يعيش بعض المراهقين فراغاً تربوياً يجعلهم يبحثون عن إثبات الذات بطرق خاطئة؟ وهل فقدت الأسرة جزءاً من قدرتها على التوجيه بسبب ضغوط الحياة اليومية؟ وهل تقوم المدرسة اليوم بدورها كاملاً في غرس قيم الاحترام والتسامح، أم أن دورها أصبح يقتصر في أحيان كثيرة على التحصيل الدراسي؟ وماذا عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي تعرض يومياً مشاهد للعنف وتجعل بعض السلوكات العدوانية تبدو وكأنها وسيلة لاكتساب الشهرة أو فرض الهيبة؟ ثم أين هي البرامج الثقافية والرياضية والترفيهية التي يمكن أن تستوعب طاقات الشباب قبل أن تجد طريقها إلى الانحراف؟
ولا يمكن تجاهل سؤال آخر يفرض نفسه بإلحاح: لماذا أصبح عدد من الشباب يجد نفسه في مواجهة القانون في سن مبكرة؟ وما الذي يدفع مراهقاً كان يفترض أن يكون في مقاعد الدراسة أو في التكوين أو في البحث عن مستقبله، إلى أن يصبح اسمه مرتبطاً بمحاضر الضابطة القضائية أو بقاعات المحاكم أو بالمؤسسات السجنية؟ أليس من المؤلم أن تتحول سنوات يفترض أن تكون مرحلة بناء الشخصية إلى سنوات تضيع بسبب قرارات متهورة ولحظات غضب قد تغير مسار حياة كاملة؟ وهل يكفي العقاب وحده إذا لم يواكبه عمل وقائي يعالج الأسباب قبل النتائج؟
إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون مسؤولية جهاز واحد أو مؤسسة واحدة، لأن العنف لا يولد في الشارع فقط، بل قد تبدأ بذوره داخل البيت، أو في محيط الدراسة، أو نتيجة الإحساس بالإقصاء، أو بسبب رفاق السوء، أو تحت تأثير محتوى رقمي يمجد القوة ويستهين بعواقبها. لذلك فإن الأسرة مطالبة باستعادة دورها في التربية والحوار، والمدرسة مطالبة بتعزيز التربية على المواطنة وقبول الاختلاف، والجمعيات مطالبة بالنزول إلى الميدان، والإعلام مطالب بإطلاق نقاشات جادة، كما أن توفير فضاءات للرياضة والثقافة والتكوين ليس ترفاً، بل استثمار حقيقي في حماية المجتمع.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب: هل نريد أن نستمر في الاكتفاء بمتابعة أخبار العنف بعد وقوعها، أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى معالجة أسبابها قبل أن تتحول إلى واقع أكثر تعقيداً؟ فالمجتمعات لا تقاس فقط بقدرتها على معاقبة المخطئ، بل أيضاً بقدرتها على حماية أبنائها من السقوط في الخطأ. وربما يكون أخطر ما يمكن أن نعتاد عليه هو أن يصبح العنف خبراً عادياً، بينما الأصل أن يبقى ظاهرة مقلقة تستوجب التفكير، والنقاش، والعمل المشترك قبل فوات الأوان.
