عصام سبادي
ليست القضية أن السلطات تدخلت، ولا أن لجان المراقبة قامت بواجبها، فذلك يدخل في صميم مسؤولياتها. القضية التي تستحق الوقوف عندها هي أن جريدتنا تجد نفسها مرة أخرى في المحل نفسه لتغطية عملية جديدة لحجز وإتلاف مواد غذائية اعتبرتها الجهات المختصة غير صالحة للاستهلاك وتشكل خطراً على صحة المواطنين. وهنا يبدأ السؤال الذي ينتظر الرأي العام جواباً عنه: لماذا يتكرر هذا المشهد؟ وإذا كانت تدخلات سابقة لم تمنع عودته، فما الذي سيجعل هذا التدخل مختلفاً؟ وهل المطلوب أن تبقى السلطات تتدخل بعد ظهور الخطر، أم أن المطلوب هو ضمان عدم عودته من الأصل؟

العملية، التي شاركت فيها خلية حفظ الصحة، ومندوبية وزارة الصحة، والقسم الاقتصادي والاجتماعي بولاية جهة مراكش آسفي، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، والسلطات المحلية، تؤكد يقظة أجهزة المراقبة، لكنها تفتح في المقابل أسئلة لا تقل أهمية عن عملية الحجز نفسها. فإذا كانت المواد التي تم ضبطها اعتُبرت خطراً على صحة المستهلك، فكم من هذه المواد غادر المحل قبل وصول لجان المراقبة؟ وكم أسرة اقتنت منها؟ وكم مطعماً أو محلاً للوجبات السريعة أو عربة مجرورة استعملها في إعداد وجبات استهلكها المواطنون؟ وهل جرى تتبع مسار هذه المواد؟ وهل تم حصر الجهات التي تزودت منها؟ وهل سيُطلع الرأي العام على نتائج هذه الإجراءات؟
ومن بين الملاحظات التي سجلناها ميدانياً، غياب صاحب المحل عن عملية الحجز والإتلاف، وهو معطى أثار تساؤلات عديدة بين المواطنين الذين تابعوا التدخل. فهل تم الاستماع إلى المعني بالأمر في إطار الإجراءات القانونية؟ وهل اتُخذت في حقه إجراءات معينة؟ وما هو المسار القانوني الذي سيسلكه هذا الملف بعد انتهاء عملية الحجز؟ وهل تم إشعار الجهة القضائية المختصة إذا كانت طبيعة الوقائع تستوجب ذلك وفق القانون؟ ومتى سيعرف الرأي العام مآل هذا الملف؟ فالمواطن لا يكتفي بمعرفة أن المواد أُتلفت، بل يريد أن يعرف كيف ستُستكمل الإجراءات حتى لا يتكرر المشهد.

ولا تقف علامات الاستفهام عند هذا الحد، إذ يتداول عدد من المواطنين وبعض المهنيين أحاديث مفادها أن انخفاض أسعار بعض المنتجات قد يكون مرتبطاً باقتناء مواد تقترب من انتهاء صلاحيتها. ونحن لا نجزم بصحة هذه الأحاديث ولا نقدمها كحقائق، لكن انتشارها يفرض سؤالاً مشروعاً: هل شمل التحقيق مصادر التزود، وفواتير الشراء، وتواريخ الصلاحية، حتى تُحسم هذه الروايات بصورة رسمية؟ لأن نفيها أو إثباتها لا يكون عبر التداول، وإنما عبر تحقيق دقيق وشفاف يحمي حق المستهلك وحق كل من يعنيه الأمر.
ويبقى السؤال الأكبر: إذا كانت الجريدة قد واكبت سابقاً تدخلاً مماثلاً في المحل نفسه، وإذا كانت الجهات المختصة عادت اليوم لتحجز مواد غذائية اعتبرتها خطراً على الصحة، فما الذي تغير فعلياً؟ وهل تكفي عمليات الحجز والإتلاف وحدها لتحقيق الردع؟ وإذا لم يتحقق الردع، فأين يكمن الخلل؟ وهل تستدعي حالات التكرار، متى ثبتت وفق الإجراءات القانونية، مراجعة أدوات المتابعة والرقابة وتقييم مدى فعاليتها؟ لأن الرأي العام لا ينتظر فقط أخبار الحجز، بل ينتظر أن يرى نتائج تمنع عودة الوقائع التي استوجبت تلك الحملات.
إن حماية صحة المواطن لا تنتهي عند باب المحل، ولا تنتهي بإتلاف المواد المحجوزة، بل تبدأ من الإجابة الواضحة عن سؤال واحد: ما الذي سيمنع تكرار هذا المشهد مستقبلاً؟ فهذا الملف لا يتعلق بمحل فقط، بل بثقة المستهلك في أن الغذاء الذي يشتريه آمن، وبثقته في أن كل تدخل رقابي لا يكتفي بإزالة الخطر في لحظته، بل يعمل على منع عودته مرة أخرى.

