بورتريه :المراكشي محمد شهرمان.. صوت مراكش الزجلي الذي لا ينسى

في قلب المدينة العتيقة بمراكش، وتحديدا في حي سيدي بن سليمان، ولد محمد شهرمان سنة 1948، ليصبح لاحقا أحد أعمدة الزجل المغربي، وأحد الأسماء البارزة في المسرح والأغنية المغربية. عاش في كنف مدينة تختزل عبق التاريخ وسحر الحكايات، فكان لها أثر بالغ في تشكيل روحه الإبداعية وصوته الزجلي المميز.

لم يكن محمد شهرمان مجرد زجال يكتب نصوصا عابرة، بل كان صوتا صادقا يعكس هموم المغاربة وأحلامهم، متسلحا بكلمات تفيض بالمعاني والصور الحية. برز اسمه خلال سبعينيات القرن الماضي حين ارتبط بمجموعة جيل جيلالة، حيث أبدع في كتابة عدد من أشهر الأغاني التي خلدها التاريخ، وعلى رأسها “الكلام المرصع” و”العيون عينيا”، التي أصبحت من أبرز الأغاني الوطنية المغربية، وارتبطت في ذاكرة المغاربة بالمسيرة الخضراء.

وإلى جانب إبداعه في الأغنية، كان شهرمان كاتبا مسرحيا بارعا، قدم نصوصا جسدت عمق الثقافة المغربية بأسلوب يمزج بين النقد الاجتماعي والفكاهة الهادفة، كما ساهم في إثراء الساحة الثقافية بعدد من النصوص الزجلية والمسرحية التي عالجت قضايا المجتمع والإنسان، ليصبح أحد الأسماء اللامعة في المسرح المغربي.

ويعد محمد شهرمان من أبرز رواد الزجل المغربي، إذ ساهم في ترسيخ مكانة هذا الفن داخل الأغنية والمسرح، وحظي بتقدير واسع من الأوساط الثقافية والفنية، بفضل أسلوبه الذي جمع بين البساطة وعمق المعنى، وجعل من الزجل وسيلة للتعبير عن قضايا الوطن والإنسان.

كان يرى في الزجل أداة لنقل الواقع كما هو، دون تزييف أو تجميل، فجاءت كلماته صادقة تلامس الوجدان وتخاطب الإنسان البسيط بلغته ومشاعره. لم يكن يكتب من أجل الفن فقط، بل كان يحمل رسالة يعبر بها عن الحب والوطن والمعاناة والأمل، فغدت كلماته مرآة لواقع مغربي مليء بالتحديات والتحولات.

ورغم إبداعه وتأثيره الكبير في الساحة الفنية المغربية، فإن السنوات الأخيرة من حياته لم تكن منصفة له، إذ عاش بعيدا عن الأضواء في عزلة فرضتها ظروف الحياة وتقلبات الزمن، وكأن المشهد الفني نسي أحد صانعيه الحقيقيين. ومع ذلك، بقي اسمه خالدا في ذاكرة كل من استمع إلى كلماته وتأثر بعمق معانيها.

وفي الرابع من أبريل سنة 2013، أسدل الستار على حياة محمد شهرمان بعد صراع طويل مع المرض، لكنه ترك إرثا فنيا وثقافيا لا يزال حاضرا في الذاكرة المغربية. لم يكن مجرد زجال أو كاتب مسرحي، بل كان روحا من أرواح مراكش، وصوتا من أصوات المغرب العميق، وشاهدا على مرحلة ذهبية من تاريخ الأغنية والمسرح المغربيين.

واليوم، تبقى كلماته شاهدة على مسيرته، وتظل أعماله، وفي مقدمتها “الكلام المرصع” و”العيون عينيا”، تتردد في وجدان المغاربة، لتؤكد أن الإبداع الصادق لا يموت، بل يظل حيا في ذاكرة الأجيال.

رحم الله محمد شهرمان.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد