المغرب بخطوات حثيثة في مجال إعادة التأمين بافريقيا

طالما نُظر إلى إعادة التأمين على أنه نشاط سريّ وتقني للغاية، إلا أنه يبرز الآن كأداة حقيقية للتأثير الاقتصادي والانتشار القاري.

 

قال شكيب أبو زيد، الأمين العام للاتحاد العربي العام للتأمين (UGAA)، إن المغرب يمتلك مقومات قوية لتعزيز مكانته في أفريقيا بفضل شركة أتلانتيك ري، ونمو مدينة الدار البيضاء المالية، والتواجد المتزايد لمجموعاته المالية في القارة.

واوضح شكيب أبو زيد، انه منذ الاستقلال، سعى المغرب دائمًا إلى لعب دور اقتصادي في القارة الأفريقية.

ويُعد الاقتصاد أحد أهم أدوات التأثير ـ يضيف ابو زيد ـ فإلى جانب الاستثمارات في القطاعين الصناعي والسياحي، يُعد التأمين وإعادة التأمين عنصرين أساسيين. ولدينا مثالان معاصران: مجموعتا AIG وAXA، المتواجدتان في معظم دول العالم، واللتان تخدمان بذلك المصالح الاقتصادية، بل والاستراتيجية، للولايات المتحدة وفرنسا. وفي المغرب، يتبادر إلى الذهن مثالان على إعادة التأمين: إنشاء الشركة المركزية لإعادة التأمين (SCR) في أوائل الستينيات. في البداية، أقامت شركة إعادة التأمين المغربية (SCR) علاقاتها بشكل أساسي مع دول شمال أفريقيا والدول الناطقة بالفرنسية. لاحقًا، توسعت علاقاتها التجارية لتشمل القارة الأفريقية بأكملها. وكانت المملكة من الأعضاء المؤسسين لشركة أفريقيا لإعادة التأمين (Africa Re) عام 1986. ولولا المنافسات الإقليمية، لكان المغرب قد استضاف المقر الرئيسي لهذه الشركة العملاقة في مجال إعادة التأمين في أفريقيا، والتي تبلغ أصولها اليوم أكثر من 1.3 مليار دولار. ومنذ بداية القرن، تطور الوضع بشكل ملحوظ، مع تعزيز التواجد والتعاون مع دول القارة. ولدى شركات مغربية كبرى (مثل وفا للتأمين وأتلانتا سند) فروع منتشرة في جميع أنحاء أفريقيا. وتُعد قصة نجاح مجموعة سهام خير مثال على ذلك. فقد بدأت رحلتها بالاستحواذ على شركة التأمين الوطنية (CNIA) عام 2005، ثم شركة السعادة عام 2006. ولكن كان الاستحواذ الأبرز هو ضم 35 شركة في 26 دولة عبر القارة. بفضل استراتيجية طموحة وفعّالة، تمكنت شركة سهام من الوصول إلى قمة مجموعات التأمين الأفريقية قبل بيع جميع أنشطتها التأمينية قبل بضع سنوات إلى شركة سانلام، التي اندمجت مؤخرًا مع شركة أليانز.

واشار ابو بدر الى انه علاوة على ذلك، يهدف مشروع مدينة الدار البيضاء المالية إلى جعل المغرب مركزًا محوريًا، مما يُمكّن الشركات متعددة الجنسيات من استخدام الدار البيضاء كبوابة للتواجد في شمال وغرب أفريقيا. ونتيجة لذلك، أنشأت شركات مثل AIG وIGI وCoface، بالإضافة إلى شركتي الوساطة لوكتون وشيديد ري، فضلًا عن لويدز لندن وأتلانتيك ري، فروعًا لها هناك. كما تتواجد العديد من الشركات المغربية فعليًا في مدينة الدار البيضاء المالية. وبالنظر إلى عدد الشركات في المدينة وبروزها كمركز أعمال، يمكن القول إن المشروع قد نجح في ترسيخ مكانته كمركز مالي جاذب لشركات إعادة التأمين. وتعتزم الحكومة، من خلال صندوق الإيداع والإدارة (CDG)، استخدام إعادة التأمين كأداة للتأثير الاقتصادي. في هذا السياق، غيّرت شركة SCR اسمها في عام 2025 إلى Atlantic Re. ويُظهر هذا التغيير في العلامة التجارية بوضوح تركيزها الاستراتيجي على أفريقيا ومنطقة الأطلسي. وبناءً على ذلك، ونظرًا لقوتها المالية وجودة مساهمها الرئيسي، فإن Atlantic Re مؤهلة للعب دور محوري في سوق التأمين الأفريقي. ويتجلى ذلك في التحول الإيجابي الذي شهدته الشركة في السنوات الأخيرة، والذي تميز برؤية استراتيجية واضحة، واستقطاب مكثف للمواهب الشابة، وزيادة حضورها. ومن خلال عملي، أرى الجهود التي تبذلها Atlantic Re عبر مكاتبها في أبيدجان والقاهرة وكيغالي، وحضورها في الفعاليات الإقليمية (منظمة التأمين الأفريقية والاتحاد العربي العام للتأمين، وغيرها). وتُعزز شركة إعادة التأمين المغربية حضورها، مما يُضفي عليها صورة إيجابية للغاية.

وشدد ابو زيد على ان  إعادة التأمين هي بمثابة “وزارة الخارجية” لقطاع التأمين. إذ يبني مُعيدو التأمين علاقات مع العالم، ويزورون الشركات، ويحضرون المؤتمرات. تُعد إعادة التأمين أداةً من أدوات القوة الناعمة. ومن الأمثلة على ذلك الدول المحورية في مجال إعادة التأمين: بريطانيا العظمى بسوقها في لندن و”لويدز”، وسويسرا، وألمانيا بشركات إعادة التأمين الكبرى فيها.

تُعدّ برمودا، الجزيرة الواقعة في وسط المحيط الأطلسي، أكبر مركز لإعادة التأمين في العالم. ويُمثّل دليل عناوين الرئيس التنفيذي لشركة إعادة التأمين، أو مدير تطوير الأعمال، أو وكيل الاكتتاب، رأس مالهم الحقيقي، لأن العلاقات تُبنى في البداية بين الأفراد. 

عندها فقط تدخل اعتبارات الملاءة المالية، والتصنيف الائتماني، والقدرة، وتسعير إعادة التأمين حيز التنفيذ. وبالتالي، لا يقتصر دور شركة إعادة التأمين الوطنية على زيادة الاحتفاظ بالعملاء في السوق المحلية فحسب، بل يشمل أيضاً السعي إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من الأعمال الدولية، وذلك لتنويع محفظتها، وتحقيق أداء متميز لشركتها، والترويج لبلدها بشكل غير مباشر.

يتمتع المغرب بمزايا كبيرة، منها إطاره التنظيمي الذي شهد تطوراً ملحوظاً، لا سيما منذ إنشاء الهيئة العامة للرقابة على التأمينات والضمان الاجتماعي. وقد أدخلت الهيئة مؤخراً نظام رأس المال القائم على المخاطر، مما وضع المغرب في مصاف الدول المتقدمة من حيث الملاءة المالية والحوكمة. وسيخضع الإطار القانوني المغربي قريباً لمراجعة شاملة.

علاوة على ذلك، نشرت الأمانة العامة للحكومة، في 24 أبريل، مسودة تعديل للقانون رقم 17-99 المتعلق بقانون التأمين. ومن المزايا الأخرى التي تتمتع بها المملكة حجم وديناميكية مجموعاتها المالية الكبرى وشركات التأمين التابعة لها، فضلاً عن الاستقرار السياسي والصورة الإيجابية للمغرب.

تُعتبر المملكة قوة أفريقية رائدة في مجالات الصناعة والبنية التحتية والرياضة. وتتمتع البلاد بمزايا هامة، منها الروابط التاريخية مع القارة الأفريقية وخبرة المغاربة. مع ذلك، في مجال إعادة التأمين الدولي، لا بد من الإشارة إلى أن مكانة الشركات العالمية الرائدة وشركات إعادة التأمين الألمانية والسويسرية الكبرى، التي تعمل منذ 130 إلى 140 عامًا، تُشكل عاملًا حاسمًا، لكن شركات إعادة التأمين الوطنية الأفريقية، مثل أتلانتيك ري وأفريكا ري، تكتسب أرضاً في الأسواق الأفريقية.

بإجمالي أقساط تأمين تبلغ 6.8 مليار دولار أمريكي، ومعدل انتشار (الأقساط كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) يتجاوز 4%، تحتل المغرب المرتبة الثانية في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا في مجال التأمين. يُظهر هذان المؤشران بوضوح مدى تطور منظومة التأمين المغربية. علاوة على ذلك، تستفيد شركات التأمين المغربية من آليات حماية معينة، تشمل الإرادة السياسية لتنشيط القطاع، وإطارًا تنظيميًا متطورًا يضمن لجميع الشركات الحفاظ على هوامش ملاءة مالية عالية. تسمح القوة المالية لهذه الشركات بأن تكون من بين أكبر الكيانات في القارة من حيث رأس المال، مما يعزز ملاءتها المالية.

تُمكّن القوة المالية لهذه الشركات من أن تكون من بين أكبر الكيانات في القارة من حيث رأس المال، مما يعزز ملاءتها المالية. كما تُعدّ الشركات المغربية من بين الأكبر في القارة من حيث حجم الأقساط.

علاوة على ذلك، فإن الإدارة الاستراتيجية للشركات المغربية والكفاءة المهنية لإدارتها تمنحها ميزة لا تُنكر مقارنةً بنظيراتها في القارة. وتتمتع برامج إعادة التأمين لجميع الشركات المغربية بقدرة كبيرة وتحظى بدعم كبرى شركات إعادة التأمين العالمية.

تُتيح هذه العوامل للشركات المغربية قبول المخاطر في القارة الأفريقية، بما فيها المخاطر الأكثر تعقيداً. علاوة على ذلك، تُشارك شركة أتلانتيك ري في برامج إعادة التأمين في معظم الدول الأفريقية والعربية. كما تُوسّع نطاق خدماتها لتشمل قطاعات تُعتبر صعبة، مثل الزراعة والتأمين الائتماني.

تُعدّ المغرب رائدةً في مجال التأمين الزراعي منذ عام 1999 ببرنامج “مامدا” لمواجهة الجفاف، والذي لا يزال يُشكّل نموذجاً يُحتذى به للدول الأخرى. وفي مجال الكوارث الطبيعية، يُمثّل إنشاء صندوق التضامن لمواجهة الكوارث (FSEC) مشروعاً رائداً أثبت فعاليته، لا سيما خلال زلزال الحوز. وقد أصبح نموذجاً يُحتذى به ليس فقط في القارة الأفريقية، بل في العالم العربي بأسره.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد