سيدي اسباعي
يعتبر الجمل في الوجدان الصحراوي أكثر من مجرد دابة للركوب أو مصدر للرزق، فهو شريك استراتيجي ورفيق دربٍ صاغ بوجوده ملامح الحضارة الحسانية عبر العصور.
ففي هذا الإطار، كان الجمل الذي يلقب بـ “سفينة الصحراء”، المحرك الأساسي لحياة الترحال، حيث مكن الإنسان من قهر المسافات الشاسعة والوصول إلى منابع الماء والكلأ، مما جعل منه ركيزة لا غنى عنها في البقاء.
وتتجاوز أهميته الجانب النفعي في النقل، لتصل إلى كونه عصب الحياة الاقتصادية، حيث يمثل الثروة الحقيقية التي تُقاس بها مكانة القبائل، فضلاً عن اعتماده مصدرا غذائيا أساسيا عبر ألبانه ولحومه، ومصدرا للكساء من خلال استخدام وبره في صناعة الخيام والملابس التقليدية التي تقي من قسوة المناخ.
هذه العلاقة الوثيقة التي تطورت عبر الزمن تحولت إلى حالة من التماهي العاطفي، وهو ما يتجلى بوضوح في الأدب الحساني، حيث خصص الشعراء لـ “الناقة” و”الجمل” مساحات واسعة في أشعارهم، واصفين إياهم بصفات تحمل دلالات الشموخ، والصبر، والوفاء، لتصبح الإبل رمزا للحنين والبطولة في قصائد “لَغْنَ”.
وفي قلب هذه الثقافة، نجد الإنسان الصحراوي قد طور مهارات فائقة في تربية الإبل وتصنيف أنسابها، تماماً كما يهتم بأنساب القبائل، محولا رعاية هذه الكائنات إلى علم وفن يتوارثه الأبناء عن الآباء.
وعلى الرغم من دخول وسائل النقل الحديثة، لم يفقد الجمل قيمته أو مكانته، بل تحول من ضرورة حياتية يومية إلى تراث حي يجسد الهوية الصحراوية، حيث لا تزال سباقات الإبل ومهرجاناتها تشكل فضاءً حيويا يجمع الأصالة بالمعاصرة.
تجدر الإشارة، إلى أن الجمل يظل اليوم شاهدا صامتا وناطقا في آن واحد على حكمة الإنسان الصحراوي في التكيف مع بيئته، مؤكدا أن الروابط التاريخية بين الإنسان ورفيقه الحيواني هي جزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والاجتماعي الذي يمنح الصحراء هيبتها وخصوصيتها الفريدة.
