عصام سبادي
لم يعد النقاش حول الماء في المغرب مجرد حديث موسمي يرتبط بتراجع التساقطات أو انخفاض حقينة السدود، بل تحول إلى سؤال استراتيجي يتعلق بمستقبل التنمية نفسها. فكل المؤشرات تدفع نحو حقيقة بات من الصعب تجاهلها: المغرب يعيش ضغطاً مائياً متزايداً، بينما يظل القطاع الفلاحي المستهلك الأكبر للموارد المائية. وهنا يبرز سؤال قد يبدو محرجاً لكنه مشروع: هل ما زالت السياسات الفلاحية الحالية منسجمة مع الواقع المائي الجديد الذي تفرضه التحولات المناخية؟
لسنوات طويلة، تم تقديم الفلاحة باعتبارها رافعة للنمو والتشغيل والصادرات، وهو ما لا يمكن إنكاره. لكن هل يمكن الاستمرار في تقييم نجاح القطاع بالأرقام الإنتاجية وحدها دون احتساب الكلفة المائية؟ وهل يكفي أن ترتفع الصادرات إذا كانت الموارد المائية تتعرض لضغط متزايد؟ ثم من يملك الجرأة اليوم لطرح سؤال أكثر حساسية: هل أصبح بعض ما كان يعتبر نجاحاً اقتصادياً يحتاج إلى إعادة تقييم من زاوية الأمن المائي؟ إن النقاش هنا لا يتعلق بانتقاد الفلاحين أو المنتجين، بل بطرح تساؤلات حول مدى استدامة النموذج نفسه في ظل معطيات تغيرت جذرياً.
الأكثر إثارة أن المغرب يستثمر مليارات الدراهم في السدود وتحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية لمواجهة ندرة المياه، بينما يستمر الطلب على هذه الموارد في الارتفاع. فهل أصبحنا نعالج نتائج المشكلة أكثر مما نعالج أسبابها؟ وهل يكفي البحث عن موارد مائية جديدة دون فتح نقاش وطني حول كيفية استهلاك المياه وتوزيعها بين مختلف القطاعات؟ وأين يبدأ الخط الفاصل بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضرورات الحفاظ على حق الأجيال القادمة في الماء؟
اليوم لم يعد السؤال المطروح هو كيف نواجه سنة جافة أو موسماً فلاحياً صعباً، بل كيف سيبدو المغرب بعد عشرين أو ثلاثين سنة إذا استمرت الضغوط الحالية على موارده المائية. فهل نملك رؤية واضحة للتوفيق بين الأمن الغذائي والأمن المائي؟ وهل حان الوقت لمراجعة بعض الاختيارات الفلاحية بعيداً عن الحسابات الظرفية؟ أم أن الجميع ينتظر أن تفرض الندرة المائية قرارات أكثر صعوبة في المستقبل؟ إنها أسئلة لا تستهدف التشكيك في الجهود المبذولة، بقدر ما تدعو إلى نقاش هادئ ومسؤول حول أحد أخطر التحديات التي قد تواجه المملكة خلال العقود المقبلة.
