العالم القروي.. هل تقلصت الفجوة أم تغيرت أشكالها فقط؟

عصام سبادي
رغم التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة على مستوى البنيات التحتية والاستثمارات العمومية، لا يزال العالم القروي يطرح أسئلة متجددة حول مدى استفادته من ثمار هذه الدينامية. فبعيداً عن الأرقام والمؤشرات العامة، يعيش ملايين المواطنين في القرى والمناطق النائية واقعاً يومياً تُقاس تفاصيله بسهولة الوصول إلى المدرسة والمركز الصحي ووسائل النقل والخدمات الأساسية. وهنا يبرز سؤال مشروع: إلى أي حد نجحت الجهود المبذولة في تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تقارب حقيقي بين ظروف العيش في المجالين القروي والحضري؟
قد يكون من الصعب إنكار حجم المشاريع التي أُنجزت خلال السنوات الماضية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بالأثر الملموس لهذه المشاريع على الحياة اليومية للسكان. فهل يشعر سكان العالم القروي بأن الخدمات الأساسية أصبحت أقرب وأكثر جودة مما كانت عليه في السابق؟ وهل يكفي إنجاز المشاريع والبنيات التحتية إذا ظلت بعض الفئات تواجه صعوبات مرتبطة بالولوج إلى خدمات التعليم أو الصحة أو النقل أو فرص الشغل؟ ثم كيف يمكن قياس نجاح أي برنامج تنموي إذا لم يكن معيار التقييم الأول هو انعكاسه المباشر على حياة المواطنين؟
الأكثر إثارة للنقاش أن الحديث عن التنمية القروية غالباً ما يرتبط بالأرقام والاستثمارات، بينما تبقى أسئلة أخرى مطروحة بإلحاح. لماذا يستمر جزء من الشباب القروي في البحث عن فرص خارج مناطقهم الأصلية؟ وهل يتعلق الأمر فقط بعوامل اقتصادية، أم أن الأمر يرتبط أيضاً بجاذبية الخدمات وفرص العيش والاستقرار؟ ثم إلى أي حد تستطيع المناطق القروية الحفاظ على طاقاتها البشرية إذا ظلت بعض الخدمات الأساسية أقل حضوراً أو أقل تنوعاً مقارنة بالمجالات الحضرية؟
كما يفرض الواقع سؤالاً أكثر عمقاً: هل أصبح التحدي اليوم هو إطلاق مشاريع جديدة، أم ضمان استدامة المشاريع القائمة وتحسين مردوديتها وجودة الخدمات المرتبطة بها؟ وهل يكفي تقليص الفوارق على مستوى البنية التحتية فقط، أم أن الرهان الحقيقي يتمثل في توفير فرص متكافئة في التعليم والصحة والتنقل والأنشطة الاقتصادية؟ لأن التنمية لا تُقاس بعدد الأوراش المفتوحة فقط، بل بمدى قدرتها على تحسين شروط العيش والاستقرار.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل اقترب العالم القروي فعلاً من تحقيق العدالة المجالية التي ظلت هدفاً للعديد من البرامج التنموية؟ أم أن هناك حاجة إلى مقاربات جديدة تجعل المواطن القروي يشعر بأن الخدمات الأساسية متاحة بالجودة نفسها التي يطمح إليها أي مواطن أينما كان؟ إنها أسئلة لا تستهدف التشكيك في الجهود المبذولة، بل تطرح نقاشاً مشروعاً حول كيفية جعل التنمية أكثر التصاقاً بانتظارات المواطنين وأكثر قدرة على تقليص الفوارق المجالية بشكل مستدام.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد