كيف سرقت الحداثة دفء التقاليد من أركان منازلنا؟

سيدي اسباعي

لم تعد بيوتنا اليوم تشبهنا بقدر ما أصبحت تشبه “كتالوجات” الأثاث العالمي التي تنتج بكميات ضخمة لتغزو كل ركن في العالم بذات النمط وذات اللون، لقد تسللت “عولمة الديكور” إلى بيوتنا بهدوء، مستبدلةً بقطع الأثاث التقليدية التي كانت تفيض بعبق الصنعة اليدوية واللمسة المحلية، بأثاث جاهز موحد يفتقر إلى الروح والتفرد.

وفي سياق متصل، هذا التراجع الملحوظ في حضور الصناعة التقليدية داخل فضاءاتنا الخاصة ليس مجرد تغيير في الأذواق أو بحثا عن الراحة، بل هو تآكل تدريجي لهوية بصرية كانت تشكل جزءا لا يتجزأ من كياننا الاجتماعي.

فحين نستغني عن الزليج المغربي الأصيل، أو النقش على الخشب، أو الزرابي المنسوجة بحكايات الحرفيين، لصالح قطع بلاستيكية أو معدنية باردة، نحن لا نفقد فقط تحفا فنية، بل نقطع خيطا رفيعا كان يربطنا بذاكرتنا الجمعية وتاريخنا الجمالي.

كما أن الصنعة التقليدية لم تكن يوماً مجرد زينة، بل كانت تجسيدا للصبر، والإتقان، والارتباط بالأرض، ومع تلاشي هذه القطع من بيوتنا، بدأ “الدفء” يغادر أركانها، لتتحول الغرف إلى مساحات جامدة تفتقد للقصة والعمق.

إننا أمام تحدٍ وجودي لهويتنا الثقافية؛ فالأثاث الجاهز يفرض نمط حياة موحداً يُلغي الفوارق الجمالية بين المدن والثقافات، مما يجعل منازلنا تبدو متطابقة في أي مكان في العالم. إن استعادة روح البيت لا تعني بالضرورة رفض الحداثة، بل تعني القدرة على تطويعها لخدمة هويتنا، من خلال إدماج لمسات من إرثنا الحرفي بذكاء في تصاميم معاصرة.

جدير بالذكر، أن الحفاظ على الصناعة التقليدية في بيوتنا هو فعل مقاومة ضد “التنميط”، وهو انتصار للجمال المتفرد على رتابة الإنتاج الضخم، وهو كذلك وفاء للأيدي المبدعة التي تحافظ على جوهر هويتنا من الاندثار في خضم عالم يسير نحو التشابه القاتل.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد