سيدي اسباعي
في قلب الجنوب الشرقي المغربي، حيث ترسم الرمال الذهبية حدود الأفق، تتراءى واحات تافيلالت كمعجزة خضراء قاومت تقلبات الزمن لقرون، غير أن هذه المنظومة البيئية الفريدة، التي شكلت تاريخيًا مهدًا للدولة العلوية ومركزا نابضا لقوافل التجارة العابرة للصحراء، تواجه اليوم واحدة من أشرس معارك البقاء في تاريخها الحديث جراء التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف الصارم.
الواحة في عمقها ليست مجرد تجمع عشوائي لأشجار النخيل، بل هي هندسة بشرية وبيئية دقيقة تعتمد على نظام الطبقات الثلاث الذكي، حيث يمتد ظل النخيل الباسق في الأعلى ليحمي الأشجار المثمرة كالتين والرمان في الطبقة الوسطى، بينما تنمو الأعلاف والخضروات في الطبقة السفلى بأقل كمية ممكنة من المياه.
هذا التوازن الدقيق بات اليوم على المحك، فالاحتباس الحراري أدى إلى تراجع حاد في الفرشات المائية الجوفية، وزاد من حدة ظاهرة زحف الرمال التي باتت تهديدًا صامتا يبتلع القصور الطينية العتيقة والمساحات الزراعية، ناهيك عن ضربات مرض “البيوض” الفطري الذي فتك بملايين النخلات، وحرائق الصيف التي تلتهم الأخضر واليابس، مما دفع بكثير من الشباب إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن أفق أرحب.
لكن العبقرية المغربية، التي طوعت القسوة المناخية في الماضي عبر ابتكار “الخطارات” ــ وهي تلك القنوات المائية الجوفية التقليدية التي تنقل المياه بالجاذبية دون أن تتبخر ــ لم تقف مكتوفة الأيدي أمام أزمة العطش الحالية، تشهد واحات الجنوب اليوم ثورة دمج حقيقية بين التراث العريق والتكنولوجيا الحديثة، إذ تواصل الطاقات المتجددة إثبات كفاءتها عبر تعويض مضخات الديزل الملوثة والمكلفة بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية الصديقة للبيئة لسقي الأراضي برشد وعقلانية.
وبالتوازي مع إعادة تأهيل وتنظيف “الخطارات” القديمة لضمان استمرار تدفق المياه، يسابق البحث العلمي في المغرب الزمن من خلال مختبرات المعهد الوطني للبحث الزراعي لإنتاج غرسات وفسايل نخيل من فئة “المجهول” والأنواع الممتازة، تكون مقاومة للأمراض وأكثر قدرة على تحمل الإجهاد المائي.
هذه الجهود الميدانية، المدعومة ببناء السدود التلية الصغرى لتجميع مياه الأمطار النادرة وتغذية المياه الجوفية، وتثبيت الكثبان الرملية بواسطة حواجز الجريد، تحول الواحات المغربية اليوم من مجرد مناطق متضررة إلى مدرسة عالمية حية في التكيف مع التغير المناخي وإدارة الأزمات البيئية، مؤكدة أن الحفاظ على تافيلالت وأخواتها هو صون لأمن مائي، واقتصادي، وثقافي لا يقبل التفريط.
