سياحة تصنع الفارق.. حين يصبح السائح شريكا في صمود وتنمية أهل الجبل

سيدي اسباعي

في أعالي قمم جبال الأطلس الكبير والصغير، حيث تعانق الغيوم البيوت الطينية العتيقة، لم يعد السفر مجرد رحلة لاستكشاف الطبيعة العذراء والتقاط الصور، بل تحول إلى أداة حقيقية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ففي هذه التخوم الجبلية المعزولة، تولد يوميًا قصة نجاح ملهمة عنوانها “السياحة التضامنية والبيئية”، حيث يتخلى السائح الأجنبي عن دور المستهلك العابر ليصبح شريكًا فاعلاً في دعم صمود القرى والدواوير الأمازيغية.

وتلعب “دور الضيافة المحلية” أو المآوي البيئية، التي يديرها أبناء القرى بأنفسهم، دور الجسر الإنساني والاقتصادي الذي يكسر احتكار شركات السياحة الكبرى، إذ تتدفق أموال الوافدين مباشرة إلى جيوب الأسر المحلية، مما يخلق فرص عمل متعددة ومتنوعة للشباب كمرشدين جبليين ومقدمي خدمات لوجستية، وينعش في الوقت ذاته “اقتصاد القرب” عبر تشجيع الفلاحين على بيع منتجاتهم من خضار، وبيض بلدي، وعسل، وزيت زيتون لهذه المآوي، الأمر الذي يسهم بشكل ملموس في الحد من ظاهرة الهجرة القروية نحو المدن.

هذا الأثر التنموي لا يتوقف عند حدود الانتعاش المالي، بل يمتد ليشكل رافعة قوية لتمكين المرأة القروية وتثمين الصناعة التقليدية، فالرحلات التضامنية تضع السائح في مواجهة مباشرة مع إبداع النساء داخل التعاونيات المحلية لإنتاج زيت الأركان، وحياكة الزرابي الأمازيغية، أو حتى من خلال إشراكهن في إدارة ورشات الطبخ التقليدي، مما يمنحهن استقلالاً ماديًا يغير مكانتهن الاجتماعية داخل مجتمعاتهن.

ومن جهة أخرى، يبرز البُعد البيئي في هندسة هذه الدور التي تبنى بمواد طبيعية محليّة كالطين والحجر والخشب للحفاظ على المعمار البيومناخي الأصيل، بالتوازي مع الاعتماد المتزايد على الطاقة الشمسية وأنظمة ترشيد المياه الشحيحة.

ولعل أبهى تجليات هذا التضامن يكمن في مبادرات بعض المآوي الرائدة، كقصبة توبقال، التي تخصص نسبة من مداخيل مبيت السياح لتمويل مشاريع مجتمعية حيوية، مثل بناء حجرات دراسية وتوفير النقل المدرسي لمحاربة الهدر المدرسي لدى الفتيات، أو دعم المستوصفات المحلية؛ لتثبت سياحة الجبل في المغرب أنها فعل إنساني متبادل، يغادره السائح بوعي جديد وذكريات لا تنسى، ويبقى أثره بلسما يدعم كرامة وصمود أهل الجبل في أرضهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد